فهرس الكتاب
وقال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 65 - 66] .
روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن عمر قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يقصد أصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول ا صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: {أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ) .
فانظر كيف أن هذا الرجل قال كلمة على وجه الخوض واللعب - بحق أصحاب رسول ا صلى الله عليه وسلم - لم يلق لها بالاً، قد أوبقت به في الكفر، وخسر دنياه وآخرته.
قال القرطبي في التفسير [8/199] : (قيل كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حمير، وقيل إنه كان مسلماً، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم) اهـ [15] .
وهذا الرجل الذي عُفي عنه كان يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أُعنى بها تقشعر الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فما من أحدٍ من المسلمين إلا وقد وجد غيره [16] .
وكل هذا منه - رحمه الله - ليكفِّر عنه ما بدر منه من تبسم للذين سخروا من دين الله، فليحذر هؤلاء الذين يملؤون حياتهم بالاستهزاء والسخرية، والطعن بالدين ثم يحسبون أنفسهم بعد ذلك أنهم على شيء.
وقال تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] ، وهذه آية نزلت في رجل من المنافقين قال كلمة وعبر عن رأيه الخبيث - كما تريد له الديمقراطية - عندما سمع رسول ا صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: لئن كان صادقاً فنحن شر من الحمير، فأتي به إلى الرسو صلى الله عليه وسلم ، فحلف وأنكر أنه لم يقل شيئاً، فنزل القرآن يكذبه ويكفره [17] .
وفي السنة، فقد صح عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين حريفاً في النار) [18] .
وفي الصحيحين: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) ، وعند البخاري في صحيحه، قال صلى الله عليه وسلم (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقى لها بالاً يهوي بها في جهنم) .
وقال صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه) [19] .
فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم (لا يرى بها بأساً... ما يتبين فيها... لا يلقي لها بالاً... ما كان يظن) ، كل هذا لم يكن مانعاً من لحوق الوعيد بصاحب الكلمة السيئة الخاطئة، وهو درس رادع لمن يوسع ساحة الأعذار على الفجار الطاعنين في الدين، من غير علمٍ ولا دليل.
وعن سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفس صلى الله عليه وسلم ثم قال: (هذا) [20] .
وقال صلى الله عليه وسلم (من وقاه الله شرَّ ما بين لحييه وشرَّ ما بين فخذيه دخل الجنة) [21] .
ومن حديث معاذ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) [22] .
وقال صلى الله عليه وسلم (من قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال) [23] ، فما يكون القول فيمن يقول في الله تعالى ما ليس فيه، ويطعن بالدين، وبالأنبياء والرسل تحت زعم الحرية، كما تزين له الديمقراطية؟!
وفي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .
قال النووي رحمه الله: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعدلها شيء [24] .
فأين الديمقراطية من جميع ما تقدم التي تطلق للمرء الحرية في أن يطلق لسانه شرقاً وغرباً، وفي الاتجاه الذي يهوى ويريد، ومن غير حسيب ولا رقيب!