فهرس الكتاب
والإسلام إذ يضع تلك القيود على اللسان درءاً للمفاسد والفتن، فإنه في المقابل يأمر المسلم بأن يطلق لسانه - من غير خوف ولا وجل - في بيان الحق، وفي نصرة الحق، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الإصلاح والبناء، كما يأمره بمواجهة ظلم الطواغيت وأن لا يسكت على جورهم أو كفرهم، وقد عد الإسلام الرجل الذي يقف أمام السلطان الجائر يأمره وينهاه، ويقول كلمة حق في وجهه فيقتله لذلك، من أفضل الشهداء يوم القيامة، وسيرة السلف الصالح مع سلاطين الجور عبر التاريخ خير شاهد ودليل على ذلك.
فحرية التعبير البنَّاء وفي الحق شيء، وهو ما يأمر به الإسلام، وحرية التعبير في الباطل، والكفر والشرك والمجون شيء آخر، وهو ما تأمر به الديمقراطية، ويأمر به الديمقراطيون!
خامساً:
تقوم الديمقراطية على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وعن السياسة والحياة، فما لله لله؛ وهو فقط العبادة في الصوامع والزوايا، وما سوى ذلك من مرافق الحياة السياسة والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها فهي من خصوصيات الشعب... قيصر الديمقراطية.
{فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] .
وهذا القول منهم معلوم - من ديننا بالضرورة - فساده وبطلانه، وكفر القائل به لتضمنه الجحود الصريح لما هو معلوم من الدين بالضرورة.
فهو أولاً، جحود صريح لبعض الدين الذي نص على أن الإسلام دين دولة وسياسة، وحكم وتشريع وأنه أوسع بكثير من أن يحصر في المناسك أو بين جدران المعابد... وهذا مما لا شك فيه أنه كفر بواح بدين الله تعالى.
كما قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب} [البقرة: 85] ، وقال تعالى: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً أليماً} [النساء: 150] .
وهذا الحكم - هم الكافرون حقاً - يشمل كل من يأتي بالشعائر التعبدية من صلاة وصوم، وحج وزكاة وغيرها، لكنه في الجانب الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، أو القضائي... تراه يؤثر ويقدم ديناً ومنهجاً آخر غير منهج الإسلام.
وهو ثانياً، عندما جحدوا بعضاً من الدين لزمهم أن يلتمسوا هذا الجانب الواسع الذي جحدوه من عند أنفسهم، فيأتون بالتشريعات والقوانين التي تضاهي شرع الله تعالى، أو أنهم يلتمسوها من عند غيرهم من الطواغيت والمشركين، فيتحقق فيهم صفة المتحاكم إلى الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به، وكلا الأمرين يعتبران من المزالق العقدية التي تخرج صاحبها من دائرة الإسلام، والأدلة على ذلك كثيرة لا تخفى القارئ المسلم، وقد تقدم بعضها.
سادساً:
تقوم الديمقراطية على مبدأ الحرية الشخصية؛ فللمرء في ظل الديمقراطية أن يفعل ما يشاء، ويمارس ما يشاء... مالم يتعارض مع القانون الوضعي للبلاد.
وهذا قول معلوم بطلانه وفساده، لتضمنه تحليل ما حرم الله تعالى على العباد، وإطلاق الحرية للمرء في أن يمارس ما يشاء ويهوى من المعاصي والموبقات المحرمة شرعاً.
فالمرء في نظر الإسلام حريته مستمدة من الإسلام، وهي مقيدة بقيود الشرع وما يملي عليه من التزامات وواجبات وسنن، فليس للمسلم - إن أراد البقاء في دائرة الإسلام أو أن يسمى مسلماً - الحرية في أن يتجاوز حدود الإسلام وآدابه وتعاليمه، ويرتكب ما يشاء من المحظورات، ثم بعد ذلك يصبغ على تصرفه هذا الشرعية أو القانونية، أو أنه حقه الشخصي، ومن خصوصياته التي لا حق لأحدٍ أن ينكرها عليه، ويقول بعد ذلك أنه مسلم، يتدين بدين الإسلام، فالإسلام وهذا الشأن لا يجتمعان أبداً!
فمن لوازم الإيمان وشروطه التحاكم إلى شرع الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، وفي الأمور العامة والخاصة، والرضى بحكمه، والاستسلام له ظاهراً وباطناً من دون أدنى تردد أو تعقيب، ولا بد أن يتبع ذلك كله انتفاء مطلق الحرج والضيف، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء: 65] .
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه"التبيان في أقسام القرآن": (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابل حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض) اهـ.