فهرس الكتاب
ولو أردنا أن نتتبع مصطلح الحرية في القاموس الإسلامي - هذه الكلمة التي سحرت الناس واستهوت الشعراء والكتاب، وأصبحت شعاراً وغاية لكثيرٍ من الحركات والأحزاب والتجمعات - لم نجدها استخدمت إلا في الموضع المغاير لمعنى العبد المملوك، فيقال: فلان عبد؛ أي مملوك لسيده، وفلان حر أي غير مملوك.
أما المعنى - للحرية - المراد في الديمقراطية، وعند كثير من الأحزاب والحركات التي تهوى ما يستهويه الناس، لتصرف وجوههم إليها دون غيرها، لم نجد له مكاناً في الإسلام، ولم يُستخدم في الكتاب أو السنة أو في قولٍ لسلف معتبر.
بل إننا نجد أن المسلم مقيد بقيود الشرع وتكاليفه، التي تتدخل في دقائق الأمور من حياة الإنسان؛ والتي تحدد له كيف يأكل، وكيف يشرب، وماذا يلبس من ثياب، وكيف ينام، وحتى كيفية الخراءة، وكيف يدخل بيت الخلاء وكيف يخرج منه، فضلاً عن الأمور العظام التي لها حكم الكليات والمصالح العامة، التي لم يتركها الإسلام سُداً لأهواء وآراء الرجال.
وهذا لا يعني بحال أن المسلم مسلوب الإرادة، أو أنه يعرف الذل والخنوع للظلمة والطواغيت، أو الجهل والرضى بالأمر الواقع البعيد عن هدي الله تعالى، لا، ولكن الذي أردناه وعنيناه أن حرية المسلم مستمدة من تعاليم الإسلام لا غيره، وهو يدور مع الشرع حيث دار، لا يخالفه في قليل ولا كثير، وهو له رسالة وغاية عظمى في هذه الحياة، لخصها الصحابي الجليل ربعي بن عامر عندما قال لملك الفرس: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة وخير الآخرة.
سابعاً:
تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أياً كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب والجماعات!
وهذا مبدأ باطل شرعاً، وذلك من أوجه:
منها، يتضمن الإقرار والاعتراف - طوعاً من غير إكراه - بشرعية الأحزاب والجماعات بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها، وفسادها وكفرها في البلاد وبين العباد، وهذا مغاير ومناقض لكثير من النصوص الشرعية التي تثبت أن الأصل في التعامل مع المنكر والكفر إنكاره وتغييره، وليس إقراره والاعتراف بشرعيته.
قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] .
قال ابن تيمية رحمه الله: (فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء) .
وقال: (وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة) .
وقال: (فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أنه يُقاتَل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين) اهـ.
قلت: إذا كان هذا حكم الطائفة التي تمتنع عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، فما يكون الحكم والقول في طوائف الكفر والردة والزندقة التي تمتنع عن جميع شرائع الإسلام، وتأبى أن تدخل في طاعة الله ودينه، وتتكلف المكائد في حرب الإسلام والمسلمين... لا شك أنها أولى بالقتال والإنكار، وليس بالاعتراف بشرعيتها أو الإقرار بحقها في أن تحكم البلاد والعباد.
وفي الحديث فقد صح عن صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم - أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .
ومنها، أن هذا الاعتراف الطوعي بشرعية الأحزاب الكافرة، يتضمن الرضى - وإن لم يصرح بفيه أنه يرضى بحريتها - والرضى بالكفر كفر [25] .
قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} [النساء: 140] .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: (إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويُستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر. وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه، لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافراً) اهـ [26] .
قلت: والاعتراف طوعاً بشرعية الكفر، هو أكثر دلالة على الرضى بالكفر من مجرد الجلوس في مجالس الكفر والطعن بالدين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام.