فهرس الكتاب
وهذا بخلاف ما عليه الإسلام الذي يقرر أن المالك الحقيقي للمال هو الله سبحانه وتعالى ، وأن الإنسان مستخلف عليه، وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى: كيف اكتسبه، وفيما أنفقه...
فالإنسان في الإسلام كما ليس له أن يكسب ماله بالحرام والطرق الغير مشروعة، كالربا، والرشوة والسحت، والمتاجرة فيما هو حرام وغير ذلك، كذلك لا يجوز له أن ينفق ماله في الحرام والطرق الغير مشروعة، أو أن يقع في التبذير والإسراف...
بل إن الإنسان في الإسلام لا يملك نفسه في أن يفعل بها ما يشاء بعيداً عن هدي الإسلام؛ لذلك عُدّ إنزال الضرر في النفس والانتحار من أكبر الكبائر التي يجازي الله عليها بالعذاب الشديد، وهذا المعنى نجده في قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} [آل عمران: 26] ، فالمالك الحقيقي للملك والمال هو الله سبحانه وتعالى وما سواه فهو مستخلف ومستأمن عليه، ومسؤول عنه أمام المالك الحقيقي للمال - يوم لا ينفع مال ولا بنون - كيف اكتسبه وفيما أنفقه، وهل أدى الأمانة فيه أم لا؟
كما في الحديث عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) [33] .
وقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون} [التوبة: 111] .
وهذا شراء ما يملك سبحانه وتعالى - خص به المؤمنين - إمعاناً في الكرم والجود والفضل، وترغيباً بالجهاد والاستشهاد.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعزي أحداً في مصابه، يقول له: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى) [34] ، وبالتالي ليس للإنسان أن يعترض على أخذ شيء منه هو لا يملكه، وإنما ملكه لغيره وهو الله سبحانه وتعالى.
بينما في الديمقراطية - كما تقدم - فإن الإنسان هو المالك الحقيقي للمال، وبالتالي فهو حر في كسبه، حر في إنفاقه كيفما يشاء؛ ولو أراد أن ينفق ماله كله على كلب أجرب وله من الأبناء عشرة أولاد فهو حر وله ذلك، ومن دون أن يجد من ينكر عليه!
إلى هنا ينتهي الحديث عن المبادئ والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية.
نختتم الحديث عنها بكلام جيد للشيخ محمد قطب حيث يقول: (هذا هو الإسلام وهذه هي الديمقراطية في نظر الإسلام... ومن ثم فلا سبيل إلى مزج الإسلام بالديمقراطية، ولا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطي، أو أنه يتقبل النظام الديمقراطي أو يسايره، لمجرد وجود شبه عارض في بعض النقاط.
إن هذا الالتقاء العارض بين الديمقراطية والإسلام في الحقوق والضمانات، وفي مبدأ الشورى لا يجوز أن ينسينا حقيقتين مهمتين:
الحقيقة الأولى:
أنه لا ينبغي لنا - من الوجهة العقدية - أن نقرن النظام الرباني إلى نظام جاهلي، فضلاً عن أن نحاول سند النظام الرباني بنسبته إلى النظام الجاهلي، أو نتصور أننا نمتدح النظام الرباني بأن نقول أنه يحمل نقط التقاء مع النظام الجاهلي!
إنها الهزيمة الداخلية تندس إلى أفهامنا دون أن نحس، وتجعلنا نعتقد أن النظام الرباني في حاجة إلى دفاعنا نحن عنه وتبريره، كما تجعلنا نعتقد أننا نمتدح النظام الرباني بأن نقول للناس إنه يحتوي على الفضائل التي تحتوي عليها النظم السائدة اليوم!
إنها الهزيمة التي أصابت المسلمين في مواجهة الغرب الظافر المتغلب، الذي غلب على بلاد الإسلام، وما كانت لتوجد في نفوسنا لو أننا واثقون في أنفسنا مستعلون بالإيمان كما وجهنا الله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} .
والحقيقة الثانية:
أن هذا الشبه العارض في بعض النقاط لا يجوز أن ينسينا الفارق الضخم في القاعدة، إن القاعدة التي يقوم عليها الإسلام يختلف اختلافاً جذرياً عن القاعدة التي تقوم عليها الديمقراطية.
في الإسلام يُعبد الله وحده دون شريك، وتحكم شريعة الله عنواناً على التوحيد وتحقيقاً له في عالم الواقع.
وفي الديمقراطية يُعبد غير الله، وتحكم شرائع البشر عنواناً على عبادة غير الله وتوكيداً لها في عالم الواقع.
وفي الإسلام يُزكى الإنسان ليحتفظ بإنسانيته في أحسن تقويم، وفي الديمقراطية ينكس الإنسان فيهبط أسفل سافلين.
تلك فروق جوهرية في القاعدة، فما قيمة اللقاء العارض في بعض النقاط أيَّاً كانت القيمة الذاتية لتلك النقاط؟!
وفي العالم الإسلامي كتّاب ومفكرون ودعاة مخلصون مخدوعون في الديمقراطية.
يقولون: نأخذ ما فيها من خير ونترك ما فيها من شرور!
يقولون: نقيدها بما أنزل الله ولا نبيح الإلحاد ولا نبيح التحلل الخلقي والفوضى الجنسية!
إنها إذاً لن تكون الديمقراطية... إنما ستكون الإسلام!
إن الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب. إنها تولي الشعب سلطة التشريع، فإذا ألغي هذا الأمر أو قيد فلن تكون هي الديمقراطية التي تقوم بهذا الاسم.
واسألوا الديمقراطيين، قولوا لهم: نريد أن نحكم بما أنزل الله، ولا يكون للشعب ولا ممثليه حق وضع القوانين إلا فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة ولا إجماع من علماء المسلمين!