فهرس الكتاب

الصفحة 21925 من 27364

قولوا لهم: نريد أن ننفذ حكم الله في المرتد عن دينه، وحكم الله في الزاني والسارق وشارب الخمر!

قولوا لهم: نريد أن نلزم المرأة بالحجاب، ونمنع التبرج، ونمنع العري على الشواطئ وفي الطرقات، ونريد في الوقت ذاته أن نكون ديمقراطيين!

اسألوهم وانظروا ماذا يقولون، سيقولون على الفور: إن هذه ليست الديمقراطية التي نعرفها، ففي الديمقراطية يشرع الناس في جميع الأمور لا يلتزمون في شيء منها بغير ما يريده الشعب - نظرياً على الأقل، وإن كانت الحقيقة كما أسلفنا أن الرأسماليين هم الذين يُشرعون من وراء ستار -

سيقولون: إن الديمقراطية لا تتدخل في الحرية الشخصية للأفراد، فمن شاء أن يرتد عن دينه فهو حر! ومن شاء أن يتخذ صديقة أو خليلة فهو حر! ومن شاءت أن تخون زوجها فهي حرة ما لم يشتك الزوج!

سيقولون: ابحثوا عن اسم آخر لما تريدون... اسم غير الديمقراطية!

فإذا كان كذلك فلماذا نصر نحن على تسمية نظامنا الذي نريده باسم الديمقراطية؟! لماذا لا نسميه الإسلام؟!

ولست أقول إن النظم الطغيانية التي حلت محل تلك الديمقراطيات المزيفة هي خير منها، كلا! وألف مرة كلا! فالطغيان الذي يعتقل عشرات الألوف، ويعذبهم أبشع تعذيب عرفته البشرية، ويقتل منهم من يقتل في محاكمات صورية أو داخل الأسوار بالتعذيب، هو شر خالص لا خير فيه.

ولكن أقول فقط: إن البديل ليس هو الديمقراطية... إنما هو الإسلام.

ومن كان يرى أن مشوار الإسلام مشوار طويل، وأن مشوار الديمقراطية أقصر منه وأيسر، فنحن نقول له: إن الديمقراطية ذاتها في سبيلها إلى الإنهيار، بما تحمل في طياتها من عِوَج وانحراف قائم في أصل النظام.

وسيبقى الإسلام... سيبقى لأنه دين الله... ولأن الله تكفل بحفظه... ولأنه هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البشرية كلها من ضلالها البعيد الذي لجت فيه) [35] انتهى.

وبعد...

هذه هي الديمقراطية باختصار، وهذه هي أهم المبادئ والأسس التي تقوم عليها، والتي من دونها تفقد الديمقراطية خصائصها ومعانيها، ومبررات وجودها، ولا تعد في عرف القائلين بها تُسمى ديمقراطية.

وبناء على ما تقدم: فإننا نقول جازمين غير مترددين ولا شاكين في أن الديمقراطية طاغوت كبير، حكمها في دين الله تعالى هو الكفر البواح الذي لا يخفى إلا على كل أعمى البصر والبصيرة، وأن من اعتقدها، أو دعا إليها، أو أقرها ورضيها، أو حسنها، أو عمل بها - على الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الآنفة الذكر - من غير مانعٍ شرعي معتبر، فهو كافر مرتد عن دينه وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم زوراً أنه من المسلمين المؤمنين، فالإسلام وحالٌ هذا وصفه لا يجتمعان في دين الله أبداً.

أما من كان يقول بالديمقراطية جاهلاً للمعاني والأسس - الآنفة الذكر - التي تقوم عليها الديمقراطية، فمثل هذا نرى الإمساك عن تكفيره بعينه مع بقاء القول بكفر قوله، إلى أن تقوم عليه الحجة الشرعية التي تبين له كفر الديمقراطية، ومناقضتها لدين الله تعالى، لأن الديمقراطية من المصطلحات والمفاهيم المستحدثة والمشكلة على كثير من الناس، التي يمكن أن يعذر فيها بالجهل إلى أن تقوم الحجة الشرعية التي بها يندفع جهل الجاهل.

وكذلك الذي يقول بالديمقراطية وهو لا يريد المعاني والأسس الآنفة الذكر، وإنما يستخدمها كمصطلح يريد بها الشورى، أو حرية التعبير والإفصاح عن الكلمة البناءة، أو رفع القيود والرقابة التي تمنع الناس من ممارسة حقوقهم الشرعية والأساسية في الحياة، وغير ذلك من التأويلات والتفسيرات الفاسدة التي لا تحتملها الديمقراطية أساساً، فمثل هذا -رغم خطئه - إلا أنه لا يكفر، ولا ينبغي أن يُكفَّر... هذا ما يقتضيه العدل والإنصاف، وتُلزم به قواعد الدين وأصوله.

والله تعالى أعلم

* كتاب"حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية"أخذت بعض فصوله من كتابي"دعاة وقضاة"يسر الله طبعه وظهوره، هذه الفصول قد تحذف من الكتاب عند الشروع في طبعه إن شاء الله.

[5] محمد قطب، مذاهب فكرية معاصرة، ص178.

[6] المشرعون الحقيقيون في النظام الديمقراطي الحر هم أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال، بحكم ما لهم من نفوذ واسع يمكنهم من دخول مجالس التشريع أو إيصال من يريدونه أن يصل، ومن ثم تأتي التشريعات والقوانين لصالحهم ولحماية مصالحهم من دون بقية فئات الشعب.

وفي مقابلة أُجريت مع المحامي الأمريكي رمزي كلارك يقول: لا شك في أن المال يتكلم في المحاكم الأمريكية، ولننظر إلى عقوبة الإعدام فإننا في أمريكا لم نعدم رجلاً غنياً في تاريخنا، ونعدم أربعة أشخاص كل أسبوع من الفقراء. وأن القضاء منحاز إلى الأغنياء لأن كلفة المحامين في أمريكا هائلة! صحافتنا الأمريكية تملكها وتتحكم فيها"البلوتوكراسي"أي الطبقة الثرية، وهؤلاء أيضاً يملكون ويتحكمون قي الحكومة الأمريكية... إن الولايات المتحدة ليست ديمقراطية لأن الشعب لا يختار، بل هو حكم الأثرياء يتحكم في الانتخابات، والحكومة والعسكر والإعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت