إن الفراعنة ينتظرون في كل زمان ومكان لكي يضربوا ضربتهم، ولكي يبنوا على تيه الجماعات والأمم والشعوب مجدهم المدَّعى وتجبّرهم المرتجى.. إن الدين هو التحذير الذي يضرب به الله سبحانه وجوه هؤلاء الطواغيت على أيدي رسله كي لا يسترسلوا في طغيانهم، ويعمهوا في غيّهم .. وهو التحرير لجماهير الناس من كل ما يمسّ كرامتها ومكانتها وتفرّدها على العالمين .. وهو منهج حياة وبرنامج عمل لن يضل من ينتمي إليه ويعمل من خلاله.. إنه يوصد الأبواب أمام لعبة الطغيان ومأساتها.. فإن لم يدخل الدين ساحة الفعل والتحقق والمجابهة والصراع .. فمن يوقف الفراعنة عند حدهم؟ من يردهم على أعقابهم ؟ من يجردهم من سلاحهم ويكشف كيدهم؟
إنه ليس ثمة حل وسط .. فإما أن يكون الدين فاعلاً في التاريخ، معتمداً كل الأدوات التي تمكنه من أداء مهمته بما فيها (السياسة) و (الدولة) ، وإما ألاّ يكون على الإطلاق .. فليس ثمة معنى لأن يُعبد الله في هذا المبنى أو ذاك .. في هذا الجامع أو الكنيسة، بينما عباد الله في الخارج يُستعبدون ويُستضعفون، ويُعبَّدون بالقسر والإكراه لمدعي الألوهيّة من الطواغيت والأرباب ..
لقد قالها الفاتحون الأجداد مراراً وسيقولها أحفادهم تكراراً:"جئنا لكي نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.."إن الدين هو حركة خروج في قلب الواقع من حال إلى حال، ولن يتحقق ذلك إلا بأن يمارس المنتمون للدين حقهم في تنفيذ هذا العمل التاريخي الدائم.. ما دام هنالك أبداً مَن تحدثه نفسه بأن يتسلط على رقاب الجماهير، ويكون
فرعونها المطاع..
هل يخلو التاريخ من هؤلاء؟
إننا إما أن نقبل الدين كاملاً أو أن نرفضه مزقاً وتفاريق .. وإلا أعدنا لعبة بني إسرائيل التي دمغها القرآن بالظلم والكفر والخزي (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (8) .
إن أي منهج أو قانون وضعي لا يمكن إلا أن يُقبل كاملاً، وليس من المعقول أن يقول مواطن ما في أية دولة: إنه ليعجبني هذا الجانب من القانون وسألتزم به، وينفرني ذلك الجانب ولن ألتزم به .. إنه حينذاك يعرض نفسه لعقاب السلطة التي تقوم مهمتها على حماية التنفيذ الكامل للقانون .. لماذا؟ لأن الانتقاء الكيفي سوف يعرض سياسة الدولة وبرنامج عملها للتمييع والتناقض، وسوف يقودها إلى التفكك والدمار..
أفيكون هذا شأن القوانين والنظم الوضعية، ولا يكون شأن القوانين والنظم الصادرة من عند الله.. لماذا؟ وكيف يُفسَّر هذا إن لم يكن في رغبة الطاغوت الحثيثة في تدمير الموقف الديني أساساً بكونه برنامج عمل شامل، وتفتيته وتمزيقه لكي يخلو له الجو فيفرض قانونه الذي لا رادّ له، والذي لن يسمح لأحد بأن ينتقي منه ويختار؟
لقد حذّر القرآن الكريم مراراً وتكراراً من أنه ليس ثمة أي مجال لممارسة لعبة الانتقاء هذه إزاء معطيات الدين، ووصف من يحاول ذلك بالكفر والمروق .. فالإنسان إما أن يكون مؤمناً بحق، منتمياً لمنهج الله، وإما ألاّ يكون على الإطلاق.. ذلك أن الانتماء لسلطتين في وقت واحد يعني بصراحة ووضوح: الشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه.. وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً .. هذا إلى ما يحدثه الازدواج في الانتماء من تمزّق خطير على مستوى الإنسان الفرد والجماعة البشرية على السواء..
إن التاريخ البشري كله هو مصداق لهذا التفتت والدمار الذي يتمخّض أبداً عن الشرك بالله، بهذا المعنى، وإن دعاة خرافة الفصل يريدونها انتقاء كيفياً وازدواجاً في الانتماء، وشركاً بالله في نهاية المطاف ..
إنه إما انتماء لمنهج الله، وإما رفض له.. ويتهافت ـ من ثمّ ـ موقف أولئك الدعاة من أساسه، فليس ثمة موقف وسط على الإطلاق..