إن (الإسلام) هو الالتزام الديني الأخير والنهائي، وهو ـ لذلك ـ يتميز بالشموليّة والامتداد، ويتضمن جوهر الأديان السماوية التي سبقته على الطريق ومهدت له، ومعطياتها الحيوية (الدايناميكيّة) بعد اطّراح سائر النسبيات التاريخية، وبعد هضم هذه المعطيات وتمثلها وصبغها (بصبغة) الدين الأخير.. وأي تصور، بعد هذا، أو محاولة لتصوّر نوع من التوازي أو التساوي الرياضي المطلق بين الإسلام وبين الأديان التي سبقته، إنما هو نكران صريح، ومرفوض، لتميّز هذا الدين (الإسلام) ، وخصوصيته، وتفرده، ولـ (إلزامه) .. وهو بالأحرى (لعبة) قد تكون دوافعها ساذجة بليدة أو ماكرة خبيثة لتجميد هذا الدين أو عزله أو شل فاعليته باسم موازاته مع الأديان السابقة وعدم التفريق بين ما أنزل الله .. وإنها للعبة يمارسها أدعياء خرافة فصل الدين عن الدولة لكي يوحوا للناس عامة وللمسلمين على وجه الخصوص بأن الأديان السابقة ما دامت ـ في تصورهم الخاطئ المستمد من انحرافات هذه الأديان، وليس جوهرها الأصيل ـ قد فصلت بين الدين والحياة، وأعطت ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، فإن موازاة الإسلام بها ومساواته معها يمنح القناعة بأن شقيقها هذا يتوجب أن يترك ـ هو الآخر ـ ما لله لله وما لقيصر لقيصر .. هكذا بهذا المنطق الساذج الماكر في الوقت نفسه .. على طريقة: إذا كانت الرياح الموسمية تسقط أمطارها في اليمن والصومال، وإذا كانت الهند تتلقى رياحاً موسمية.. فمعنى هذا أن اليمن والصومال تلتقيان مع الهند في مناخها جملة.. وربما في نظمها وعاداتها وتقاليدها!!
وإذا كان الله سبحانه، صاحب الشأن الأول والأخير في الدين، قد أصدر حكمه الحاسم الجازم بالتفريق المطلق الذي لا يقبل لجاجة ومناقشة وإنكاراً .. بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية الأخرى التي سبقته، رغم صدورها من منبع واحد .. فما شأن الإنسان؟
أجل .. ما شأن الإنسان؟!
قد نفهم تشبّث الطواغيت بخرافة الفصل بين الدين والدولة؛ لأنها الباب الوحيد الذي يمكّنهم من أن يظلوا هناك فوق الناس .. فوق الرقاب .. فوق القرناء والمنافسين.. آلهة متفردة تحكم بما تشتهي وما تريد، وتعطي ما تشتهي وما تريد، وتمنع ما تشتهي وما تريد.. ولكننا لا نفهم موقف هذا الحشد الكبير من الناس البسطاء المساكين الذين يُصرّون على التشبث بالخرافة فلا يزيدهم الإصرار والحماس إلا خضوعاً وعبودية واستسلاماً..
أهو الجهل والحماقة أن يختار الإنسان بمحض إرادته الدخول إلى حظائر الأغنام والنعاج ليكون واحداً من القطيع؟ أم هو الإرهاب الذي يُرغم المساكين، بالتلويح بالذبح، على التشبث بهذا التصور الخاطئ الذي لا يحقق لهم مصلحة ولا يضمن كرامة؟
أم ماذا؟
أما الكُتّاب والمثقّفون الذي يسخرون أقلامهم لتأكيد الخرافة والدفاع عنها، فهم ولا ريب بين ضالٍّ أو جاحد تدفعه نفسه المظلمة، لا عقله المضيء، إلى مواقع الباطل، وهم قلة على كل حال، وبين صنيعة أو مأجور تغريه (النقود) فيمارس بيع الأفكار بالمزاد، ويمنحها لمن يدفع أكثر .. هنالك حيث يستوي ـ كما يقول أحد الشعراء المعاصرين ـ الفكر بالحذاء .. وما أكثرهم!!
إذا استخدمنا التعابير المعاصرة فإن الدين (إستراتيجية) والسياسة (تكنيك) يخدم (الإستراتيجية) ويذلل الصعاب أمام أهدافها الكبرى..
الدين حركة والسياسة أداة ..
الدين منهج عمل شامل والسياسة طرائق للتنفيذ ..
وفي كل الأحوال لا نجد ثمة ما يدعو للفصل بين القطبين، بل على العكس، تحتم ضرورات التنفيذ والفعل والتحقق، التكامل بينهما..
إن (الدولة) ضرورة محتومة للدين إذا ما أُريد له أن يقول كلمته في العالم وينفذ برنامجه في الأرض..
وإن (الدين) ضرورة محتومة للدولة إذا ما أريد لها أن تكون في صالح الإنسان من أجل عالم أفضل وغد سعيد.. هنالك حيث يتحرر الإنسان ويتحقق الوفاق المرتجى بينه وبين سنن الحياة والعالم والكون..
وإن الذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة لا يفهمون في الدين ولا في الدولة (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (9) .
(1) محمد 24 .
(2) المائدة 44 .
(3) المائدة 45 .
(4) المائدة 47 .
(5) المائدة 49 .
(6) الأنعام 156 .
(7) الأنفال 25 .
(8) البقرة 85 .
(9) المائدة 49ـ50 .