فهرس الكتاب

الصفحة 22173 من 27364

ومهما كانت القضية الأساسية التي يدافع عنها الصقور، فإن التفكير في تفكيك أمة ذات تركيبة معقدة جداً كما هي الحال في العراق، وإلصاقها بمملكة تفتقر الى الاستقرار مثل الاردن يكشف مدى ثقة هؤلاء بأفكارهم ومشاريعهم ولا واقعيتهم. وبعد أربع سنوات من رفع تلك الوثيقة الى نتانياهو، تم تقديم نسخة أخرى منها مخصصة للأميركيين وتحديداً لجورج دبليو بوش لكنها اختلفت عن النسخة الأصلية في شيئين اثنين، فاستخدمت فيها مصطلحات مألوفة لدى الأميركيين. وتم إغفال الحديث عن أي تفكيك للعراق. وان عادت هذه الفكرة لتتردد على لسان بول وولفويتز. وتم تحرير هذا التقرير تحت اشراف مركز دراسات آخر في واشنطن يحمل اسم المشروع من أجل القرن الاميركي الجديد PNAC، ويعمل من اجل تشجيع «الزعامة الاميركية للعالم» ويضم المركز الصقور الموالين لاسرائىل المتعاطفين مع الليكود واعضاء من اليمين المسيحي المتطرف الاميركي.

مناورة تشيني

كان الصقور قد حاولوا مرارا الترويج لوجهة نظرهم على اعلى مستوى في السلطة التنفيذية، فبعد مرور فترة قصيرة على سقوط جدار برلين في عهد ولاية بوش الاولى، دار حديث حاسم بين ديك تشيني وبول وولفويتز كان بمثابة الانتصار الاول للمحافظين الجدد، اذ شكل تشيني، وكان وزيرا للدفاع آنذاك، لجنة تضم الى جانب آخرين بول وولفويتز ولويس ليبي (مناصرا آخر للحرب الحالية) . وكان الهدف الذي رسمه هؤلاء كبيرا ويتمثل في وضع الخطوط العريضة لسياسة خارجية اميركية جديدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، ثم طلب من كولن باول، الذي كان يتولى رئاسة الاركان، اعداد تقرير منافس يقدم رؤية للعالم وللعلاقات الدولية تتسم بالاعتدال قياسا الى رؤية الصقور. وحدد تشيني تاريخ 21 مايو 1990 لعرض التوصيات، وتم تخصيص ساعة لكل من وولفويتز وفريقه، وباول وفريقه، وفي الموعد المحدد اعطيت الكلمة لوولفويتز اولا فتجاوز المدة المخصصة له كثيرا دون ان يقاطعه تشيني. واضطر باول للمغادرة دون عرض تقريره بعد ان حدد له وزير الدفاع موعدا بعد اسبوعين من باب المجاملة.. وهكذا كان الموجز الذي نقله هذا الاخير لجورج بوش الأب تلخيصا وافيا لأفكار وولفويتز وخرج باول خاسرا، وكان من المتوقع ان يلغي الرئيس الاميركي خطابا تاريخيا لكونه كان يمثل انعطافة حقيقية في تاريخ هذه الامة المعروفة بانطوائها على نفسها ونفورها من الاهتمام بما يجري في الخارج ومن التدخل في مشاكل العالم. الا ان الخطاب الذي كان مرتقبا في الوقت نفسه، الذي كانت الدبابات العراقية تتدافع فيه نحو الكويت، ألغي.

وطيلة التسعينات، بدأت ملامح رؤية الصقور تتضح شيئا فشيئا، وحدد مبدؤهم الخاص بالسياسة الخارجية العالمية الذي يقوم على استباق التهديدات وتصفية القوى المنافسة، بغض النظر عن موقعها وعن الظروف، هدفا واضحا تمثل في الشرق الاوسط باعتباره مصدرا للقلاقل الدائمة، وتولد لدى الصقور يقين مطلق بتشابك المصالح الاميركية بالمصالح الاسرائىلية بفعل الروابط القوية احيانا التي تربطهم بإسرائىل (شقيقة وولفويتز تقيم في اسرائىل) وتماثل الرؤى بينهم وبين زعماء الليكود، اذ يدعو هولاء الى ضرورة تكاتف هاتين الديموقراطيتين، مهما كان الثمن، من اجل التصدي للعالم العربي الذي حل محل الاتحاد السوفيتي في دور الخصم. وهو خصم يجب تحريره بالقوة اذا اقتضى الامر ذلك. ويبدو واضحا هنا مدى التأثير الكبير لطروحات المستشرق الشهير المقرب من المحافظين الجدد برنارد لويس، الذي قال عنه بول وولفويتز «كان بارعا في وضع العلاقات مع الشرق الاوسط وقضاياه في سياق اوسع عبر فكر موضوعي وفذ ومستقل، فلويس علّمنا كيف نفهم تاريخ الشرق الاوسط المعقد والمهم، وكيف نستخدمه لنهتدي به، من اجل اقامة عالم افضل للاجيال القادمة» .. يذكر ان برنارد لويس هو خبير معروف عالميا خدم ابان ا لحرب العالمية الثانية في اجهزة الاستخبارات البريطانية، وهو الذي ابتكر مفهوم «صدام الحضارات» الذي ردده صاموئيل هانتنغتون في طروحاته لاحقا.

الصقور تحفزوا لبغداد منذ 1998

اصبحت بغداد هدفا مفضلا لدى الصقور منذ عهد كلينتون، ففي عام 1998 نشر مركز «مشروع القرن الاميركي الجديد» رسالة مفتوحة الى الرئيس يطالبه فيها بالقيام بعمل عسكري من طرف واحد، دون المرور عبر مجلس الامن، وهي الرسالة التي وقعها كل من ريتشارد بيرل وبول وولفويتز ودونالد رامسفيلد وبعد ذلك ببضعة اشهر طلب مركز ابحاث آخر يحمل اسم «لجنة السلام والامن في الخليج» من بيل كلينتون الاعتراف بحكومة عراقية مؤقتة يقودها اعضاء المجلس الوطني العراقي، على اعتبار ان هذا الاعتراف من شأنه ان يشكل الخطوة الاولى باتجاه «استراتيجية سياسية وعسكرية ترمي الى اسقاط صدام حسين ونظامه» . وكان من بين الموقعين على هذه الرسالة الثانية الى جانب ريتشارد بيرل، بوصفه أحد رئيسي المركز، كل من رامسفيلد ووولفويتز، وفيث، وأبرامز، وبولتون. ولا تخفى استراتيجية تحريك اللجان والهيئات ومراكز الابحاث بسرعة متدرجة على أحد في واشنطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت