فقد حصلت شركة هاليبرتون على أهم العقود واجزاها في مجال اعادة اعمار العراق. وذلك حتى قبل ان يهدأ هدير الآلة الحربية، وفي ظروف غير مألوفة البتة. فأميركا تعد من اكثر البلدان شفافية، وخاصة في مجال المناقصات ومع ذلك فلم تواجه هاليبرتون اي منافس على السوق العراقية المغرية.
وفي الوقت الذي كان جورج دبليو بوش يصرح بان «نفط العراق ملك للعراقيين» ، تبين في يوم 12 مايو ان عقدا ابرم مع الجيش من دون اعلان مناقصة مرّة اخرى يقضي بمنح أحد فروعه، الذي يعرف اختصارا بـKB r ، امتيازا في جزء من النفط العراقي، وهي شركة تحمل اسم Kellog B r own & r oot تعمل في مجال الامدادات اللوجستية وتربطها شبكة علاقات وثيقة مع الجيش الاميركي يعود تاريخها الى زمن حرب فيتنام. وهي بمنزلة شقيق سيامي (مدني) للمؤسسة العسكرية. وقد استفادت كثيرا من علاقات ديك تشيني خلال السنوات التي قضاها على رأس هاليبرتون، وحتى قبل ان يخوض غمار الاعمال.
وأي مشروع في مجال الصيانة او سلاح الهندسة سواء في الداخل او الخارج يُعهد به الى هذه الشركة التي تولت في جملة مشاريع اخرى، بناء معتقل غوانتانامو بالاضافة الى عدة قواعد ومعسكرات اميركية في مختلف انحاء العالم. ومنذ بدء الحرب على الارهاب، ازدهر وضع الشركة، ويبدو ان مستقبلا مشرقا ينتظرها بفضل الجيش الاميركي من جهة وعملية اعادة اعمار العراق من جهة اخرى. ومن الصعب ان نتصور الا يكون لديك تشيني ايضا يد في ذلك. فهو طيلة فترة رئاسته لهاليبرتون كان يدير شؤون فرعها هذا بشكل مباشر تقريبا. حتى ان المجموعة كانت تعتبره بمنزلة قيمة ثمينة بفضل علاقاته الواسعة مع مختلف الحكومات في العالم. ويقول الرئيس السابق لهاليبرتون: «كانت كل الابواب تفتح في وجهه بينما قال رئيسها الحالي: «لو ذهبت الى مصر او الكويت او عمان وحدي فان الشخص الذي يمكنني لقاؤه هو وزير النفط. اما مع تشيني فقد كنا نذهب لرؤية السلطان في عمان والامير في الكويت دون ان تكتسي الزيارة طابع الرسمية اذ نذهب لتناول الشاي وتبادل اطراف الحديث..» .
وكلما نمت علاقات ديك تشيني مع القادة العرب وغيرهم زادت معها ارباح الشركة (...) ، ويبدو ان هذا الاخير قد نفخ روحا جديدة في هذه الشركة التكساسية الهرمة المعروفة بتعاطفها مع التيار المحافظ المتطرف والتي كانت لاتزال تفتقر الى الصيت الدولي، حسب تعبير المحلل النفطي فرد موتاليبوف، وهو ما حققه لها رئيسها الجديد وعزز حضورها في اسواق مختلف الحكومات.
وفي مطلع عام 2002 اعلنت شركة هاربيسون والكر للتأمين المتعاقدة مع هاليبرتون افلاسها فبدأت اوساط وول ستريت تتساءل عن مدى صمود العملاق النفطي في وجه هذه الازمة. ومنذ ذلك الحين، اثار خروج تشيني من هاليبرتون للمشاركة في الحملة الانتخابية لجورج بوش عام 2000 كثيرا من الجدل، اذ اعتبره منتقدوه وكثير من الاميركيين الذين هزتهم الازمة المالية، كفرصة سمحت لنائب الرئىس المقبل ببيع اسهمه وهو يعلم بما ينتظر اسعار اسهم الشركة من انهيار. وجنى تشيني من ذلك 30 مليون دولار، محتذيا حذو جورج دبليو بوش حين قام في نهاية الثمانينات ببيع اسهمه في شركة هاركن النفطية في ظروف مثيرة للجدل. وقد باع تشيني اسهمه بحوالي 52 دولارا للسهم الواحد وبعد عامين من ذلك انهار السعر الى 13 دولارا فقط.
علاقات تشيني بالخليج
اقام تشيني خلال تسلمه مختلف المناصب علاقات صداقة شخصية متينة في كل بلدان الخليج، وخاصة في الدول الصغيرة العزيزة على قلبه والتي تستقبله بمودة كبيرة.
جاءت احداث 11 سبتمبر والحرب على الارهاب ليمثلا معا بالنسبة إلى الصقور الموالين لاسرائيل «فرصة حقيقية» لتنفيذ السياسات التي طالما دعوا اليها بدون ادنى تعديل. وليست الحرب في العراق سوى خطوة اولى في سياسة المحافظين الجدد في الشرق الاوسط التي تنبع من ارادتهم الصلبة في المساهمة في ضمان امن اسرائيل الاقليمي عبر اضعاف اعدائها بالتدريج مثل العراق وسوريا لمصلحة حلفاء مثل الاردن.
ولئن كانت اهداف تشيني تختلف تماما عن اهداف هؤلاء الا انها تندرج بدورها في اطار مشروع اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الذي يجري تنفيذه اليوم. فاسرائىل لا تشغل بال نائب الرئىس الاميركي او على الاقل ليست بحماسة بيرل ووولفويتز وفيث وابرامز نفسها، بينما تستهويه فكرة توطن الشركات النفطية الاميركية بشكل دائم وحصري في بلد قد يتحول الى ثاني منتج نفطي في المنطقة.
وخلاصة القول ان ايا من الفريقين لا يتسم بالنزاهة، فالصقور يمثلون مصالح اولئك الذين يعتقدون ان اسرائىل لن يتحقق لها النصر الا بالقوة، وتشيني يمثل عمالقة النفط بالاضافة الى اليمين المتطرف الاميركي هو وزوجته. وابرز ما يطبع الفترة الراهنة التي تمثل انعطافة مهمة في تاريخ العالم، هو ذلك التواطؤ بين مدرستين فكريتين فرق بينهما كل شيء ووحدتهما اخيرا ساحة المعركة في العراق.