1.أن الله تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن ، و الأمر بحفظ الفرج أمر بما يكون وسيلة إليه , و لا يشك عاقل أن من وسائل الوقاية من الزنا تغطية الوجه , لأن كشفه سبب النظر إليه ، و تأمل محاسنه , و بالتالي الوصول إلى الاتصال المحرم .
عن أبي هريرة أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، قال: أن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنى مدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر ، و زنى اللسان النطق ، و النفس تمنى و تشتهي ، و الفرج يصدق ذلك أو يكذبه 7.
و في رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود يقول: العينان تزنيان ، و الرجلان تزنيان ، و اليدان تزنيان ، و يصدق ذلك الفرج ، أو يكذبه 8.
و في رواية الإمام أحمد عن بن مسعود عن النبي محمد صلى الله عليه و سلم أنه قال: ثم العينان تزنيان ، و اليدان تزنيان ، و الرجلان تزنيان ، و الفرج يزني9..
و عليه فإذا كان تغطية الوجه من وسائل الوقاية لحفظ الفرج كان مأمورا به ، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد .
2.أما معنى الجيب قوله تعالى ( و َلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) فالجيب هو فتحة الرأس ، و الخمار ما تخمر به المرأة رأسها ، و تغطيه به ، فإن كانت مأمورة بالضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها .
أما ، لأنه من لازم ذلك ، أو بالقياس , فإنه إذا وجب ستر الخمر ، و الصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى , لأنه موضع الجمال و الفتنة .
ج- أن الله سبحانه وتعالى عفا عن إظهار الزينة مطلقا إلا ما ظهر منها دون إرادة لذلك ، كظاهر الثياب ، و أسافلها , لذلك قال تعالى: ( إلا ما ظهر منها ) و لم يقل إلا ما أظهرن منها ، و قد فسر بعض السلف: كابن مسعود و الحسن و ابن سيرين ، و غيرهم قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) بالرداء و الثياب ، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ظاهر الزينة هو الثياب10 .
ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم ، فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى .
فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ، و لا يمكن إخفاؤها ، و الزينة الثانية هي الزينة الباطنة (من الوجه) ، و لو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن التعميم في الأولى ، و الاستثناء في الثانية فائدة معلومة .
د- أن الله تعالى رخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين أمثال الخدم الذين لا شهوة لهم و الطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم ، و لم يطلع على عورات النساء .
و عليه:
فإن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين ، و أن علة الحكم و مداره الخوف على المرأة من الفتنة ، فيكون ستر الوجه ، واجبا لئلا يفتن أولوا الإربة من الرجال ، و خاصة أنه مجمع الحسن ، و موضع الفتنة .
هـ- و قوله تعالى ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) معناه لا تضرب المرأة برجلها ليعلم ما تخفيه من الخلاخيل و نحوها من الزينة ، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفا من افتتان الرجال بما يسمع من صوت خلخالها ، و نحوه فكيف بكشف الوجه .
فأيهما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالا بقدم امرأة قد لا يدري من هي ، و ما جمالها ، أو ينظر إلى وجه جميل ممتلئ شبابا ، و نضارة ، وحسنا بما يجلب الفتنة ، و يدعو إلى النظر إليها ؟
إن كل إنسان له حاجة في النساء يعلم أي الفئتين أعظم ، و
أحق بالستر ، و الإخفاء .
3.قوله تعالى ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60)
4.إن الله تعالى نفى في هذه الآية الأثم عن القواعد ، و هن العواجز اللاتي لا يرجون زواجا لعدم رغبة الرجال بهن ، بشرط أن لا يكون الغرض من ذلك التبرج و الزينة . و تخصيص الحكم بهؤلاء العجائز دليل على أن الشابات اللاتي يرجون النكاح يخالفن في الحكم ، و لو كان الحكم شاملا للجميع في جواز وضع الثياب ، و لبس درع و نحوه لم يكن لتخصيص القواعد فائدة .
ومن قوله تعالى (غير متبرجات بزينة ) دليل أخر على وجوب الحجاب للشابة التي تأمل بالزواج , لأن الغالب عليها إذا كشفت وجهها ، أنها تريد التبرج بالزينة ، و إظهار جمالها ، و تطلع الرجال لها ، و مدحها و نحو ذلك , ومن سوى هذه فشاذ ، والشاذ لا حكم له .
5.قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59)
6.قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطي ، وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ، و يبدين عينا واحدة 11 .