فهرس الكتاب

الصفحة 22234 من 27364

ولا يقال بأن جماعة الإمام غير موجودة اليوم ، لذا فالواجب على المسلمين أن يقيموا جماعات من أجل إعادة الخلافة . أقول إن هذا القول غير صحيح لمخالفته للنص الصريح وهو ما جاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: ( كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال"نعم"قلت فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال"نعم وفيه دخن"قلت ما دخنه؟ قال"قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر"قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال"نعم"دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها"قلت يا رسول الله صفهم لنا قال"هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"قلت فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال لتلزم جماعة المسلمين وإمامهم"قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري .

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث:هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا . قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان ، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم ، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر"عضوا عليها بالنواجذ"ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر"فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم"وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور ، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم"دعاة على أبواب جهنم"ولم يقل فيهم"تعرف وتنكر"كما قال في الأولين ، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق ، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة . قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة ، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم ، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان"عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة". وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم ، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين . قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره , فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة ، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر ، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث ، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها أ هـ . فتح الباري ( كتاب الفتن جزء 13 ) .

فالحديث واضح بأنه يجب على المسلمين التزام جماعة المسلمين وإمامهم ، وأنه إذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام فالواجب عليهم اعتزال الفرق كلها ،وعدم الانتماء إلى أي جماعة من الجماعات ، وهذا واضح للغاية فقوله صلى الله عليه وسلم حين سأله حذيفة رضي الله تعالى عنه - إذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام - يفهم منه أحد وجهين ، الأول ، أن لا يكون هنالك مسلمون أصلاً ، وهذا غير مراد ، الثاني أن يكون هنالك مسلمون ، ولكنهم جماعات متفرقة كما هو الحال اليوم ، لذا قال صلى الله عليه وسلم: ( فاعتزل تلك الفرق كلها ) . ولو كان الواجب هو العمل ضمن فرقة من هذه الفرق لقال صلى الله عليه وسلم ،فالتزم فرقة من هذه الفرق إذ القاعدة الشرعية تنص على إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهذا ظاهر أيضاً .

وثمّ أمر آخر وهو ، أن من أبرز أسباب ضياع الخلافة الإسلامية هو التفرق والاختلاف الناتج عن التحزب ،لقوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين ) (46) الأنفال

وعليه فلا يكون العمل لإقامة الدولة الإسلامية من خلال التحزب والتفرق ، إنما بالعمل الجماعي المنبثق عن فهم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين .

ثامناً: إن القول بتعدد الأحزاب قول محدث لا دليل عليه لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولم ينقل عن أحد ممن يعتد بقوله ، بل إن ما ذهبوا إليه من استدلال لغوي بأن أمة نكرة والنكرة تفيد التعدد قول مستغرب للغاية ،فإن النكرة تفيد العموم ، أي إذا قلت جاء رجل ، فيفهم من قولي أن رجلاً واحداً قد أتى ، ولا يفهم منه أنه جاء رجلان ، ولكن الذي لا يفهم هو ، حال الرجل وتعينه ، وكذلك لو قلت اشتريت ساعتين ، فلا يفهم من هذا القول إني اشتريت ثلاث ساعات ولا أربع ، بل يفهم من ذلك تحديد العدد ، وما يبهم هو الوصف والتعيين ، أضف إلى ذلك أن كلمة أمة في الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ) (104) آل عمران ليست موغلة بالنكارة بل هي نكرة موصوفة ، والنكرة في اللغة إذا وصفت خصصت ، فعلى سبيل المثال لو قلت: جاء رجل طويل ، يخرج من هذا الوصف كل رجل قصير ، ولو قلت جاء رجل طويل عالم ،لدل الأمر على رجل خاص فانقضى العموم ، وفي هذه الآية الكريمة بين الله سبحانه المراد بكلمة أمة ، من خلال ما أناط بها من أعمال وهي الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، وقد مضى القول بأن هذا المعنى لا يراد منه إلا أهل العلم ،أضف إلى ذلك أن كلمة أمة تتضمن هذا المعنى وإن لم توصف ، فكيف الأمر وقد وصفت ؟ ومن باب آخر فإن هنالك فرقاً بين الحزب والجماعة وإليك الفرق:الجماعة لغة مجموعة من الناس ، وهذا المعنى يطلق على الحزب أيضاَ ، فكل لفظ من لفظي الحزب والجماعة يدل على معنى واحد ألا وهو الجماعة من الناس ، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً ، فقد يطلق لفظ الجماعة ويراد به الحزب ، وكذلك العكس ، فالجماعة مجموعة من الناس قد تشترك على أمر واحد ، وقد لا تشترك على خلاف الحزب فإن فيه معنى الاشتراك كما في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ) . أي أشتد عليه ، فيفهم من التحزب معنى الشدة ، وهو التعاضد والتناصح الذي يكون في الجماعة الواحدة وهي الحزب ، وهذا المعنى لا يشترط في الجماعة ، فقد يجتمع بعض الناس على غير تعاضد وتناصح ومع ذلك لا يخرجون عن كونهم مجتمعين ، إذن فالحزب فيه معنى الترابط وهو لازم له ، على خلاف الجماعة فقد يكون الترابط موجوداً وقد لا يكون كما مثلنا في ذلك ، فالحزب على هذا المعنى أخص من الجماعة والجماعة أعم ،والأصل في المسلمين أن يكونوا حزباً واحداً كما جاء في الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) .رواه مسلم وغيره لذا نهى الإسلام عن كل ما يحول دون تحقق هذا المعنى في المسلمين جميعاً ،ومن ذلك التفرق والاختلاف وقد جاء في الحديث ما ينهى عن التحزب الخاص في الأمة والذي يؤدي إلى تفريقها فقد أخرج الشيخان عن عاصم الأحول قال: قلت لأنس: أبلغك أن النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله قال: (لا حلف في الإسلام ) . فقال أنس بن مالك:"قد حالف النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بين قريش والأنصار في داري ). يقول ابن الأثير رحمه الله: أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن، والقتال بين القبائل، فذلك الذي ورد عنه النهي في الإسلام بقوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله:"لا حلف في الإسلام"، وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم، وصلة الأرحام، كحلف المطيبين، وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله:"وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلاّ شدة"يريد من المعاقدة على الخير، ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام، وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله:"لا حلف في الإسلام"قاله زمن الفتح فكان ناسخاً. أ هـ"

والمتأمل في هذا الحديث يعلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم الحلف في الإسلام ، فقوله: ( لا حلف ) يقتضي العموم إذ جاء اللفظ نكرة في سياق النفي فدل على العموم ولا يستثنى منه إلا ما كان موافقاً لأصول الشريعة ، وهو التناصح على البر والتقوى وإصلاح ذات البين ، وغير ذلك ، وأما إن كان متعلقاً بجماعة دون جماعة فهذا لا يجوز البتة ، بل يعتبر أصحابه آثمين مفرقين للأمة ينطبق عليهم ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي: أنه قال: (من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة ، فمات ، مات ميتةً جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة ، فقتل فقتلة- جاهلية ، ومن خرج على أمتي يضرب برها ، وفاجرها ، ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهد عهده ، فليس مني ولست منه ) . ولا يختص هذا الحكم بمن انتسب إلى جماعة أو حزب ، بل هو عام في كل من تعصب لمذهب أو شيخ أو جماعة ، أو فكر ، فهنالك الكثير من الناس لا ينتمون إلى أي حزب ، بل يحرمون ذلك ، ولكنا نراهم في الوقت ذاته يتعصبون إلى شيوخهم ، وأفكارهم التي بنيت على الاجتهاد المحتمل للصحة والخطأ ، ويضللون المخالفين لهم وإن كان الحق معهم ، وهذا بلا شك من التعصب المذموم ، وقد بينت ذلك في النقاط السابقة .

وخلاصة الأمر: إن التحزب الذي يؤدي إلى تفريق الأمة ، وخروج بعضها على بعض ، ويكون سبباً في دب العداوة والبغضاء بين الأمة الواحدة فهو تحزب محرم مذموم ، وأما إن كان تعدد الجماعات مبنياً على القواعد الثابتة غير مخالف للأصول المتفق عليها ،والتي تقوم على منهج أهل السنة والجماعة ، فلا يعتبر تفرقاً أصلاً ، بل هو تفرق باعتبار التنوع لا باعتبار التضاد ، وعليه فلا منافاة بين الأحاديث التي دلت على لزوم الجماعة ، وبين الأحاديث الدالة على تحريم التفرق والاختلاف . ، وأما استشهادهم بالآية الكريمة فضعيف خاصة وأن الآية وقعت بين آيتين ، الأولى قوله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) . والثانية قوله تعالى: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) . وكلا الآيتين قد نهت عن التفرق والاختلاف الذي هو سبب دب العداوة والبغضاء في الأمة ، وهذا الذي نراه في هذه الأحزاب اليوم نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق إنه سميع مجيب .

وكتب إبراهيم بن عبد العزيز بركات

22/محرم/1425 هـ

14/3/2004م

إن التحزب الذي يؤدي إلى تفريق الأمة ، وخروج بعضها على بعض ، ويكون سبباً في دب العداوة والبغضاء بين الأمة الواحدة فهو تحزب محرم مذموم ، وأما إن كان تعدد الجماعات مبنياً على القواعد الثابتة غير مخالف للأصول المتفق عليها ،والتي تقوم على منهج أهل السنة والجماعة ، فلا يعتبر تفرقاً أصلاً ، بل هو تفرق باعتبار التنوع لا باعتبار التضاد ، وعليه فلا منافاة بين الأحاديث التي دلت على لزوم الجماعة ، وبين الأحاديث الدالة على تحريم التفرق والاختلاف ، وإن كانت هذه الرسالة تئط مضاجع المتحزبين ، وتعكر عليهم صفو تلبيسهم على العامة ، مما يدفع المتعصبين منهم للتعرض إلى صاحبها بالظلم والتهم والاعتداء ، وهذا سلاح من لا علم عنده ،ولكن الله نسأل أن يبصر المسلمين بالحق المبين ، وينفع بها المخلصين ، ويجعلها نبراس خير لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وأن ينفع صاحبها بها في الدنيا والآخرة فهو حسبنا ونعم الوكيل .

المؤلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت