سادساً:الواجب على المسلمين إتباع الجماعة المسلمة الظاهرة على الحق ، وهي جماعة واحدة لا تتعدد بعقيدتها أو منهاجها ، وإن تعدد أفرادها ، وهذا ما دلت عليه النصوص الثابتة فعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) . البخاري وغيره قال السدي شارح سنن ابن ماجه رحمه الله تعالى:قوله ( لا تزال طائفة) الطائفة: الجماعة من الناس والتنكير للتقليل أو التعظيم لعظم قدرهم ووفور فضلهم ويحتمل التكثير أيضا فإنهم وإن قلوا فهم الكثيرون فإن الواحد لا يساويه الألف بل هم الناس كلهم قوله (منصورين) أي بالحجج والبراهين أو بالسيوف والأسنة فعلى الأول هم أهل العلم وعلى الثاني الغزاة وإلى الأول مال المصنف فذكر الحديث في هذا الباب فإنه المنقول عن كثير من أهل العلم قال أحمد بن حنبل في هذه الطائفة إن لم يكونوا هم أهل الحديث فلا أدري من هم أخرجه الحاكم في علوم الحديث قال عياض وإنما أراد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث وقال البخاري في صحيحه هم أهل العلم قال السيوطي بعد نقله أي المجتهدون لأن المقلد لا يسمى عالما واستدل به على استمرار الاجتهاد إلى قيام الساعة انتهى قال النووي يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرقة في أنواع المؤمنين ممن يقوم لله من المجاهدين وفقيه ومحدث وزاهد وآمر بالمعروف وغير ذلك من أنواع الخير ولا يجب اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا مفترقين في أقطار الأرض قوله ( من خذلهم ) أي لم يعاونهم ولم ينصرهم من الخلق فإنهم منصورون بالله لما فيهم من الخير ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) أي فلا يضرهم عدم نصر الغير قوله ( حتى تقوم الساعة) أي ساعة موت المؤمنين بمجيء الريح التي تقبض روح كل مؤمن وهي الساعة في حق المؤمنين وإلا فالساعة لا تقوم إلا على شرار خلق الله .ويؤكد هذا المعنى قول الرسول في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله: قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه , ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره . أ هـ بتصريف يسير .جاء في تحفة الأحوذي:المراد من أمتي أمة الإجابة وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي: كلهم في النار إلا ملة واحدة , وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم ; لأنه أخبر عن غيب وقع . قال العلقمي قال شيخنا ألف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر , وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة ، وما جرى مجرى هذه الأبواب ، لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضا ، بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه ، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف . وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه ، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئا فشيئا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية ، انتهى باختصار يسير . أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره . أ هـ وفي رواية عند الإمام أحمد وأبي داود عن معاوية بن أبي سفيان ، أخرجه أحمد وأبو داود فيه: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة . وهذه الأحاديث مجتمعة تدلنا على معنى واحد وهو:عدم تعدد الجماعات على اعتبار العقيدة والمنهاج ، فقوله ( طائفة) و ( جماعة ) و ( إلا واحدة ) دليل واضح على عدم تعدد أهل الحق إلى فرق وجماعات مختلفة في العقيدة والمنهاج ، وقد جاءت الألفاظ مقيدة بتحديد الجماعة وهي: ( ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) وبالتالي فإن الجماعة الحقة موافقة لما كان عليه الرسول وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ، وقد جاءت النصوص الشرعية محذرة من مخالفة ما كان عليه الرسول وأصحابه من ذلك قوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ) . النساء ( (115ولا شك أن المقصود بسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين قال تعالى:(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . (100) التوبة . وعليه فإن الطائفة المنصورة لا تتعدد كما ذكرنا من حيث تعدد الأفكار والمفاهيم ، وإن كانت تتعدد من حيث الأفراد ، والمعنى ، قد يكون في الأمة الإسلامية جماعات متعددة كتعدد الدول والأقطار ، ولكنها تجتمع على العقيدة والمنهاج ، ويكون التعاون بينها متواصلاً قائماً على المحبة والنصح ، وأما تعدد الجماعات من منطلق الفكر والمنهاج فهذا خلاف لما عليه الطائفة المنصورة ، بل هذا تفرق واختلاف مذموم والحق فيه واحد لا يتعدد ويؤكد ذلك المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"وشبك بين أصابعه . مجموع فتاوى ابن تيمية جزء 11 .
ونخرج مما سبق بقضية يغفل عن فهمها كثير من الناس ، وهي ما يتعلق بالعمل الجماعي ، إذ تبين النصوص الصريحة وجود طائفة ظاهرة على الحق وبلا شك أن العمل ضمن هذه الطائفة واجب ، وأن كل طائفة خالفتها بمعتقد أو بمنهج فهي من الفرق الضالة التي توعدها الله سبحانه بجهنم ، وكذلك فإن اعتزال هذه الطائفة وعدم التعاون معها أو خذلها من الكبائر سواء كان ذلك على النطاق الجماعي أو الفردي ، إلا أن هذا القول قد يشكل على كثير من الناس ، فلا بد له من ضابط يميز المرء من خلاله الطائفة التي يجب أن يعمل معها ، وبين الطوائف التي يجب اعتزالها ، ونستطيع أن نميز الطائفة التي هي على الحق من غيرها بضابطين اثنين:
الأول: أن هذه الطائفة تتصف بصفة الاستمرارية ، فقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال) يقتضي وجود هذه الطائفة في كل عصر دون انقطاع ، ولا شك أن بدايتها الرعيل الأول من هذه الأمة ، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم من سار على نهجهم إلى يوم الدين ، وقد بينا هذا ملخصاً من خلال الأدلة المحكمة ، ويدل هذا القول على أن الجماعات المحدثة لا تتصف بصفة الاستمرارية التي تتصف بها الطائفة المنصورة وعليه فلا تكون هي المرادة من هذا الحديث .
الثاني: أنه يجب على كل مسلم أن يكون بهذه الطائفة ، فهي طائفة توحد الأمة ولا تفرقها ، على خلاف الطوائف الأخرى فهي تفرق الأمة ولا توحدها ، وحتى تتوحد الأمة لا بد من أمور تعين على التوحد ، وهذا لا يكون إلا من خلال قيام هذه الطائفة على النصوص المحكمة التي لا يراد منها إلا ظاهر اللفظ دون تأويل ودليل ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59) النساء . فالآية واضحة بأنه إذا حدث نزاع بين المسلمين ، فالواجب عليهم رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة حتى يرتفع التنازع ، وإننا نرى الفرق والأحزاب متنازعة وإن كان جميعهم يقولون بأننا نعتمد بأفهامنا على الكتاب والسنة ،ومع ذلك فالخلاف بين هذه الجماعات واضح ، والفجوة بينهم كبيرة ، والسبب في ذلك راجع إلى أن كل فرقة من هذه الفرق تعتمد على النصوص المتشابهة وتفهمها من منطلق قواعدها التي قعدت لها ، ومن هنا يأتي الخلاف بحيث تحمل كل طائفة من هذه الطوائف الأدلة الشرعية على فهمها بعيداً عن موافقة غيرها من الطوائف ، ولو ردت كل طائفة من الطوائف ما اختلفت فيه إلى ما أحكم من الكتاب والسنة ، وألحقت الفرع على الأصل لرفع الخلاف من الأمة ولتوحدت على الحق جهود المسلمين ، ولكن الحال كما قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين ) .َ (119) هود
سابعاً: إن الواجب على الأمة أن تكون تحت إمرة الخليفة الشرعي وفي جماعته ويحرم على أي فرد من أفراد الأمة الخروج عن الجماعة أو مخالفتها أو الخروج عليها ، وهذا الحكم عام ،والأصل في المسلمين أن تكون لهم دولة ويكون لهم إمام ، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) .
والأحاديث في ذلك كثيرة منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية ) . أخرجه مسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه) . أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان .
ولا شك أن المقصود من هذه الجماعة ، الجماعة التي تجتمع على طاعة الإمام كما ذكر الشاطبي في ( الاعتصام 2 / 260 و ما بعدها ) : اختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في الأحاديث على خمسة أقوالٍ: أحدها: إنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، و الثاني: إنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين . و الثالث: إنها الصحابة على الخصوص .الرابع: إنها جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر . و الخامس: إنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير .
وكل هذه التعرفات تدل على معنى واحد وهو اتباع الحق الذي يجمع بين المسلمين ولا يفرقهم ،ولذا اختلفت عبارات العلماء في تحديد الجماعة على أقوال متعددة ترجع كلها إلى ما ذكرنا ، وإليك بعضاً من هذه الأقوال المنسوبة إلى أهل العلم: بوَّب الشيخان كلٌّ في صحيحه ، و النسائيُّ , و الترمذي ، كلٌّ في سننه ، على وجوب لزومها .فقال البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة من صحيحه: باب قوله تعالى: ( و كذلك جعلناكم أمَّةً وسَطاً ) وما أمر النبي صلى الله عليه و سلّم بلزوم الجماعة و هم أهل العلم .و قال الإمام مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، و في كل حال ، و تحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة .و عَنوَن النسائي في سننه: قتلُ من فارق الجماعة ، و ذِكرُ الاختلاف على زياد بن عِلاقة عن عَرْفَجَةَ فيه .وعقد الترمذي في سننه باباً سمَّاه: باب ما جاء في لزوم الجماعة .قلتُ: و الجماعة التي يجب على المسلم لزومها ، و يحرم الخروج عليها ، ويستحق الوعيد من فارقها ، هم أهل الحقِّ في كل عصرٍ و مِصرٍ ، و إن قَلُّوا .قال أبو شامة المقدسي رحمه الله ( كما في شرح أصول الاعتقاد للالكائي و تاريخ دمشق لابن عساكر: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة ، فالمراد به لزوم الحق و اتِّباعه ، و إن كان المستمسك به قليلاً ، و المخالف كثيراً . ثم استدل بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الجماعة ما وافق الحق ، و إن كنت وَحدَك .و في( تاريخ دمشق ) أيضاً أنّ نعيم بن حمَّاد رحمه الله قال: إذا فسدت الجماعة ، فعليك بما كانت عليه قبل أن تفسد ، و إن كنت وحدك ، فإنَّك الجماعة حينئذٍ . و قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى في سننه ( 4 / 476 ) : و تفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه و العلم و الحديث.و قول الترمذي هذا موافقٌ لما تقدّم معنا قبل قليلٍ . وقال الإمام البخاريِّ رحمه الله في معنى الجماعة: هم أهل العلم .
وبهذا نتيقن بأن المقصود بالجماعة هم أهل الحق ،ولا شك بأن أهل الحق مذعنون بالطاعة والانقياد إلى أمير الجماعة ، وهو الخليفة ما لم يظهر الكفر البواح ، وعليه فلا وجود لهذه الجماعات المتنافرة المتدابرة لأنه من خرج عن طاعة الإمام إلى طاعة غيره فهو خارجي مهدور الدم فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله:: ( لا يحل دم إمرىء مسلم يشهد أن لا إله ألا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) . رواه البخاري ومسلم
وهذا الحديث صريح الدلالة بأن الذي يفارق الجماعة يكون قد فارق دينه وإن أتى بالشهادتين ، ولا خلاف في أن المقصود بالجماعة جماعة الإمام .