فهرس الكتاب

الصفحة 22240 من 27364

أسباب الحزبية ومظاهرها:

تقدم الكلام حول معنى الحزبية لغةً وشرعاً، وأنها لا تحمد بإطلاق ولا تذم بإطلاق، وأنها إن كانت حول حق فهي حق؛ وإن كانت حول باطل فهي باطل، ومن ثم يجب نصرة الحق وترك الباطل، إلا أنه يجب ملاحظة أمر مهم وهو أن الحزبية تكون أحياناً حول جانب من جوانب الحق مع التساهل في جانب آخر أو تركه بالكلية، بل ويصل أحياناً إلى محاربة ذلك الحق، وحرف الناس عنه بحجة أن الأهم في العمل هو ذلك الحق الذي تحزب بعض الناس له، مع اختلاف أفهام الناس في أي العمل أحق بالبدء والأهمية، فيحدث من الاختلاف في الكتاب، وضرب بعضه ببعض ما هو معلوم لكل طالب علم أن ذلك حرام لا يجوز، فمن ثم يحرم مثل هذا التحزب وإن كان حول حق ما دام يهمل حقاً آخر قال الله - تعالى-: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) . وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة ) )، أي خذوا بجميع شرائع الإسلام، وقال الله - تعالى-: (( فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء ) )، وقال الله - تعالى- في صفة المؤمنين: (( وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ) )، وقال - صلى الله عليه وسلم: (فأعط كل ذي حق حقه) ، وقال: ( إنما الذي يقوم بهذا الدين من أخذه من جميع جوانبه ) ، فإذا انضم إلى ذلك ارتياح النفس إلى ذلك العمل، وانشراح الصدر له أثر من غيره، وظهرت جوانب إيجابية في الواقع من ذلك العمل، ازداد الإنسان اندفاعاً نحو ذلك العمل، وأحب أن الناس جميعاً يوافقون على ذلك العمل، وأنه أولى لظهور منافع فيه - وكل الشرع منافع -، وكون الإنسان يميل إلى عمل دون عمل أمرٌ لا شك فيه قال الله - تعالى-: (( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) )، وقال - تعالى-: (( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) ).

وقد يجتهد الإنسان المسلم في عمل ما أنه أفضل الأعمال، فيكون اندفاعه إليه أكثر لرغبته في إرضاء الله بذلك العمل باعتبار أنه أفضل العمل في نظره، وهي مسألة مشهورة بين الناس، يختلفون في أفضل الأعمال، ولا يزال الناس يسألون عن أحب الأعمال إلى الله، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، أعني وجود عمل شرعي أفضل من عمل شرعي آخر، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله ... الحديث.

وكان أحياناً يجري خلاف بين الصحابة أي العمل أفضل كما جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن أعمل عملاً صالحاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( وذلك في يوم الجمعة ) ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: فأنزل الله (( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ… ) )الآية.

بل وأبلغ من ذلك اختصام الملأ الأعلى ففي سنن الترمذي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله الله - تعالى- لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قال: في الكفارات والدرجات) .

وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ما نصه:"ومن الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبته له، ولكونه أنفع لقلبه، وأطوع لربه، يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس، ويأمرهم بذلك، والله بعث محمداً بالكتاب والحكمة، وجعله رحمةً للعباد، وهادياً لهم، يأمر كل إنسان بما هو أصلح له، فعلى كل مسلم أن يكون ناصحاً للمسلمين"يقصد أن لكل إنسان ما يصلحه، وبهذا يتبين لك: أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية كالصلاة والصيام أفضل له، والأفضل المطلق ما كان أشبه بحالة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والواقع الذي تعيشه الصحوة الإسلامية بل والتاريخ الإسلامي يشهد بهذا الاختلاف والتحزب حول عمل خيري معين من قبل كل فئة ترجح في نظرها عملاً ما أنه أفضل من غيره، فيقع من التحزب حول ذلك الفن أو العالم البارز في علم من العلوم ما هو مشهور لدى علماء الإسلام، ومع ذلك لم يقل أحد بتحريم هذه العلوم نظراً لما يقع فيها من ذلك، بل رغبوا في كل علم نافع، ونظروا إلى المصلحة الراجحة على المفسدة، وإلا فقد قال القائل:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وعلم الفقه في الدين

العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين

ومن المعلوم أنه لا يجوز أن تهمل العلوم الإسلامية غير الحديثية، وأنها ليست كلها وسواس، وعَكَس ذلك آخر قال:

النحو يصلح من بلسانه لكنٌ والمرء تكرمه إذا لم يلحن

وإذا أدرت من العلوم أجلها فأجلها نفعاً مقيم الألسن

ورد عليه أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في أبيات مبيناً في رده أن علم الدين والعقيدة هو الذي يستحق أن يكون أجل العلوم فقال:

أيها المفتدي ليطلب علماً كل علم عبد لعلم الرسول

تطلب الفرع كي تصحح أصلاً كيف أهملت أصل أصل الأصول

فقد جعل علم العقيدة هو علم أصل الأصول وهو كما قال.

وقال آخر مفضلاً الجهاد على مطلق العبادة:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب

إلى آخر الأبيات.

وكذلك واقع الحركة الإسلامية اليوم، فمن قائل يجب الاشتغال بالدعوة والتبليغ وليس وقت التفرغ للعلم، ومن قائل يجب التفرغ للعلم والاشتغال به فهو أفضل، ومن قال بل الجميع مطلوب، وما تتعلمه بلغه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينتظر حتى يكتمل التعلم، بل قيل له: اقرأ، وقيل له بعد ذلك: قم فأنذر، فلم يكتمل التعليم المشار إليه في قوله - تعالى-: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي... ) )حتى كمل البلاغ، فقال لهم: إنكم مسؤولون عني فماذا أنت قائلون؟ وكان ذلك في حجة الوداع، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت، قال:"اللهم فاشهد"، ومن قائل يجب إصلاح العقيدة أولاً، ومن قائل بل الأخلاق وطهارة النفس، ومن قائل بل يجب إصلاح الجميع قال - صلى الله عليه وسلم: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة على أن يعبد الله وحده لا شريك له ) ، وقال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) فكلاهما هدف من أهداف الرسالة، وقد قال أبو سفيان لهرقل:"إنه يقول - يعني محمد صلى الله عليه وسلم: ( اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول أبائكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق، والعفاف والصلة) ، فقد أمر بالتوحيد، وأمر بمكارم الأخلاق في الصدق والعفاف، والصلة في آن واحد."

ومن قائل يجب السعي في إصلاح القمة، ومن قائل يجب إصلاح القاعدة، ومن قائل يجب إصلاح الجميع بالطرق الشرعية قال - صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) .

فانظر كيف كان الخلاف في أفضل الأعمال قديماً وحديثاً، وكيف يتناسب مع شخص معين عمل فيريد من الناس كلهم أن يتناسبوا معه، حتى قال بعضهم: إنما يحب علم الحديث ذكران الرجال، ويكرهه إناثهم، مع العلم أن حاجة الناس إلى الجميع ملحة وظاهرة.

فكن رجلاً ذا همة كهمة أبي بكر - رضي الله عنه - حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ مسلم إلا دخل الجنة) ، قال ابن القيم في المدارج [ج1 ص/97] :(ثم أهل مقام إياك نعبد لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق فهم في ذلك أربعة أصناف:

الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها، قالوا لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهو حقيقة التعبد.

الصنف الثاني: قالوا أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان، واطراح الاهتمام بها.

الصنف الثلاث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعدٍ، فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس، وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل.

الصنف الرابع: قالوا أن أفضل العبادات العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضي ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، وترك صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً القيام بحقوقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في حق الزوجة والأهل، والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء، والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به، والأفضل في وقت الأذان: ترك ما هو في من ورد والاشتغال بإجابة المؤذن، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل وجه، والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بَعُدَ كان أفضل، والأفضل في وقت ضرورة المحتاج: المساعدة بالجاه والبدن أو المال والاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أولادك وخلوتك، والأفضل في وقت قراءة القرآن اجتماع القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله - تعالى- يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من اجتماع قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك، والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع، والدعاء والذكر، دون الصوم المضعف عن ذلك، والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لاسيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين، والأفضل في العشر الأخيرة من رمضان لزوم المسجد والخلوة، والاعتكاف، دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء، والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم عيادته وحضور جنازته وتشييعه عند موته، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتكم، والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر، مع خلطتك بهم دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه، والأفضل في خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر أفضل من مخالطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فمخالطتهم حينئذ خير من اعتزالهم، والأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومتقضاه.

وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد.

وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله أين كانت، فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العبَّاد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، فهذا هو التعبد المطلق الذي لم تملُّه الرسل، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات، بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين تحقق القائم بها صدقاً، ملبسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به، في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خالياً، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حر مجرد، دائر مع الحق حيث دار، يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كل محق، ويستوحش به كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها؛ وهو موضع الغلظة على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله عزل الخلائق وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه عن الوسط وتخلى عنها، ما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم، وما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه والله المستعان وعليه التكلان)أ.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت