فهرس الكتاب
يقول بريفولت في كتاب"بناء الإنسانيةMaking of Humanity:"فالعامل القديم - كما رأينا - لم يكن للعلم فيه وجود . وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علوما أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم وأخذوها عن سواهم ، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجا كليا بالثقافة اليونانية . وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات ولكن أساليب البحث في دأب وأناة ، وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها ، والمناهج التفصيلية للعلم ، والملاحظة الدقيقة المستمرة ، والبحث التجريبي ، كل ذلك كان غريبا تماما عن المزاج اليوناني ، أما ما ندعوه"العلم"فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة ، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة ، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس ، ولتطور الرياضيات إلي صورة لم يعرفها اليونان .. وهذه الروح ، وتلك المناهج العلمية ، ادخلها العرب إلي العالم الأوربي (1)
كذلك لم يكن العلم وحده ولا المنهج التجريبي وحده .. يقول .. بريفولت:
"لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية ( يقصد الإسلامية ) علي العالم الحديث ، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج .. عن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا ، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل من اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام . ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوربا إلي الحياة ، بل إن مؤثرات أخري كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلي الحياة الأوربية فإنه علي الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الأزدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلي مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة ـ، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون ، في نشأة تلك الطاقة التي تكون من للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة ، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي (2) "
ويطول بنا الاستطراد لو رحنا نحصي بالتفصيل ما اخذته أوربا في بدء نهضتها من الإسلام والمسلمين ، ولكنا نعود إلي موضوعنا الأصيل فنقول إن أوربا اخذت ما أخذت ولكنها رفضت أن تأخذ الإسلام ذاته عقيدة ومنهج حياة ، وعادت إي الجاهلية الإغريقية والرومانية تستمد منهما بدلا من الدين الكنسي الذي لفظته ، والدين الصحيح الذي رفضت بدافع العصبية أن تدخل فيه , ومن ثم عادت - كما قلنا - إلي العقلانية اليونانية بزيادة انحراف جديد هو النفور من الدين ، والسعي إلي إخراجه من مجالات الفكر والحياة.
لقد كانت الجاهلية الإغريقية جاهلية وثنية خالصة في واقع حياتها ، ولكن"المفكرين"و"الفلاسفة"فكروا في الله سبحانه وتعالي ، وحاولوا تصوره علي قدر ما اجتهدت عقولهم ، فاهتدوا إلي وحدانيته وكماله وجلالة ولكن تشعبت بهم الظنون في متاهات لا قرار لها حين أخذوا يصفون كنه هذا الكمال وهذا الجلال كما مر بنا من تصور أرسطو .
أما جاهلية عصر الإحياء وعصر النهضة فقد سخرت"عقلها"في كيفية الاستغناء عن الله ، وإخراج موضوع الألوهية من ميادين الفكر والحياة واحدا إثر الآخر .
كان"التفكير الحر"معناه الإلحاد ! ذلك أن التفكير الديني معناه الخضوع للقيد الذي قيدت الكنيسة به العقل وحجرت عليه أن يفكر . فمعني الحرية الفكرية هو تحطيم ذلك القيد الذي يغل العقل من التفكير ، ولم يكن أمام أوربا بعد أن رفضت الإسلام إلا ذلك السبيل الواحد إلي الحرية الفكرية .. وهو الخروج علي الدين !
يقول برنتون كما سبق أن نقلنا من كلامه في كتاب"منشأ الفكر الحديث ) ( ص 103 من الترجمة العربية - ترجمة عبد الرحمن مراد ) "
"فالمذهب العقلي يتجه نحو إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون .. فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون .."
ويقول عن قانون السببية الذي كشفه نيوتن:"إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة ( يقصد المعتقدات الدينية ) في هذا العالم" ( ص 151 من المرجع السابق )
ويقول:"الاله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة ولكن صانع هذه الساعة الكونية ونعني بها الكون ، لم يلبث أن شد علي رباطها إلي الأبد ، فبإمكانة أن يجعلها تعمل حتي الأبد."
"أما الرجال علي هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها . وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع او فائدة من الصلاة إلي الإلة صانع هذه الساعة الضخمة الكونية ، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله"!!
ولنا وقفه عند هذه النصوص
(1) عن كتاب"تجديد الفكر الديني"تأليف محمد اقبال ، ترجمة عباس محمود ص 250 من الترجمة العربية
(2) المصدر السابق ص 149