فهرس الكتاب

الصفحة 22512 من 27364

إن الاتجاه الفكري النافر من الدين ، المتجه إلي الالحاد ، لم يكن رد فعل لخطأ واحد من اخطاء الكنيسة وهو الحجر علي العقل خوفا من مناقشته"المسلمات"المفروضة ، إنما كان في الحقيقة رد فعل أو نتيجة لأخطاء متعددة في وقت واحد .. فالجهالة العلمية التي عانتها أوروبا عدة قرون في ظل السيطرة الكنسية جعلت للعلم -حين بدأت أوربا تتعلم - فتنة ليست من طبيعته في الأحوال العادية وفي النفوس السوية ، فضلا عن حرب الكنيسة للعلم والعلماء في عهد النهضة - باسم الدين - جعلت طريق البحث العلمي هو طريق معاداة الدين .

إن الدين والعلم كما بينا في فصل"العلمانية"ليسا ندين متنافرين متعاديين كل منهما يسعي للسيطرة علي حساب الآخر ورغما عنه ! فنزعة العبادة ونزعة المعرفة كلتاهما نزعة فطرية ، والفطرة - في النفس السوية - لا يتنافر بعضها مع بعض ، إنما تتعاون جوانبها المختلفة لبناء الشخصية السوية المتوازنة . وقد تختل الشخصية لزيادة او نقص في أحد الجوانب بالقياس إلي حدة المفروضة ، وبالقياس إلي الجوانب الآخري في النفس ، ولكنها لا تختل قط من اجتماع جوانب الفطرة كلها في النفس ، فهذا هو الأمر الطبيعي الذي لا تستقيم النفي بدونه ، بل العكس هو الصحيح ، تختل النفس خللا مؤكدا حين يزاح جانب من جوانب الفطرة أو يضمر ليحل محله جانب آخر .

وفي العالم الإسلامي الذي استقت أوربا العلم منه ، كان هذا هو الأمر الواقع / كان الدين والعلم يعيشان معا متساندين متعاونين بلا تنازع ولا تنافر ولاخصام . بل كان العلم في حقيقة الأمر نابعا من العقدية منبثقا عنها ، يعمل في خدمتها ، ومع ذلك كان له ذلك المجال الواسع كله الذي يعمل فيه ، والحرية التي يمارسها في البحث وتحصيل النتائج وتدوينها والثمار العملية المفيدة التي تقوم عليها نهضة علمية زاهرة .

ولم يكن للعلم في نفوس المسلمين فتنة !

لا هو فتنهم عن الدين ، ولا صار في حسهم إلها مكان الله !

لانهم كانوا يتناولونه كما تتناوله الفطرة السوية ، التي تأخذ حظها من العبادة كما تأخذ حظها من المعرفة العلمية ، وتطلب هذه وتلك بلا تنافر بينهما ولا صدام !

وقد كان العالم الواحد - في كثير من الأحيان - عالما في الطب أو الفلك أو الرياضيات .. إلخ ، وعالما بالعلوم الدينية في نفس الوقت ، متبحرا في هذه وتلك ، متوازنا في ذات الوقت ، لا يصرفه الدين عن العلم ولا يصرفه العلم عن الدين

وكان الحسن بن الهيثم - علي سبيل المثال - الذي ظلت أوربا تدرس نظرياته في علم الضوء ( البصريات ) إلي بداية القرن التاسع عشر لتوفقها وتقدمها الباهر ، والذي أثبت ملاحظة كانت بالقياس إلي وقته من أعجب العجب ، وهي انحناء الشعاع الضوئي عند ملامسته جسما منحنيا وعدم سيره في خط مستقيم (1) - كان علي كل عبقريته العلمية تلك يقدم انتاجة العلمي باسم الله ، ويحمد الله ويثني عليه ويشكره علي فيض نعمة عليه !

كلا! لم يكن العلم عند المسلمين مثارا للفتنة ، لأنهم صاحبوه عدة قرون علي رزانة وروية ، فلم يفاجئوا به كما فوجئت أوربا في عصر النهضة ، ولأن نبع في حياتهم من نبع الدين فلم يثر بينه وبين الدين ذلك الخصام الذي ثار بين الدين والعلم في أوربا ، ولأن المعرفة كلها في حس المسلم نفحة ربانية يفتح بها علي عبادة ، فيكون جزاؤها في حسه مزيدا من التقرب إلي الله ، لا بعدا عنه وازورارا عن عبادته .

كذلك كان اكتشاف قانون السببية بالذات باعثا نم بواعث الإلحاد كما مر بنا من كلام"برنتون"

والمسئول في ذلك أيضا هو الكنيسة !

لقد ظلت الكنيسة تصرف الناس عن العلم عدة قرون ، وتوحي إليهم الاكتفاء بما عندها من العلم ، الذي لم يكن يتجاوز - كما قلنا - إن الله خلق الأشياء علي صورتها لحكمة يعلمها ولغاية يريدها .. أي ارجاع الأمور كلها والظواهر كلها إلي إرادة الله ومشيئة . ومن شأن الدين أن يركز دائما علي هذا المعني ، انظر إلي بعض ما جاء في القرآن الكريم في هذا الشأن .

"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"

(1) وفسر بذلك أننا نري الشمس قبل ظهورها الحقيقي بدقائق ، ونظل نراها بعد غروبها بدقائق ! وفي القرن العشرين اكتشف انشئتين في الضوء في الكون الواسع لا يتخذ مسارا مستقيما بل ينحني حول الاجرام السماوية بفعل الجاذبية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت