فهرس الكتاب

الصفحة 22513 من 27364

"هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون . وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر . والنجوم مسخرات بأمره . أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . ذرا لكم في الأرض مختلفا ألوانه . إن في ذلك لآية لقوم يذكرون . وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ، وتري الفلك مواخر فيه ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ، وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم . وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ، وعلامات وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق ؟ أفلا تذكرون ؟ إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . إن الله لغفور رحيم"‍‍‍‍‍‍‍

وحكمة ذلك واضحة . ."فالدين"يذكر الإنسان دائما بالله لكي يظل قلبه معلقا بالله في جميع حالاته ، فيحبه ويخشاه ، ويتطلع إليه في كل أمر من أموره .وبهذا وحده تصلح نفس الإنسان وتستقيم .. ولإن الإنسان عرضه دائما أن ينسي فإن الدين الصحيح يلح في تذكيره حتي لا تدركه الغفلة التي ينشأ عنها كل شر في حياة البشر علي الأرض .

ولكن هذا التركيز الشديد في الدين الصحيح علي رد الأمور كلها إلي مشيئة الله ، لم يمنع المسلمين من البحث عن"الأسباب الظاهرة"في الكون المادي وفي الحياة البشرية ، بلا تعارض في حسهم بين هذا وذاك .

ذلك أن الدين الصحيح -وقد رد كل شئ بحق إلي مشيئة الله وقدرة (1) - نبه البشر إلي أن هناك سننا كونية تعمل إرادة الله من خلالها في الكون المادي ، كما أن هناك سننا أخري تعمل تلك الإرادة من خلالها في الحياة البشرية ، ودعاهم إلي التعرف علي هذه وتلك ، الأولي ليقوموا بتعمير الأرض - وهو جزء من مهمة"الخلافة"التي خلق الإنسان من أجلها - والأخري لتكون هذه الخلافة راشدة حين يتم تعمير الأرض بمقتضي المنهج الرباني .

لقد ظل القرآن يلفت نظر الناس إلي آيات الله في الكون انتظامها ورتابتها ودقتها وانضباطها

{أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46) } [سورة الفرقان 25/45-46]

{وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [سورة يس 36/33-40]

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) } [سورة الذاريات 51/20-21]

وفهم المسلمون من هذه التوجيهات المتكررة أن الله يدعوهم إلي التأمل في هذا الكون من حولهم ، ليتعرفوا علي قدرة الله القادرة التي لا يعجزها شئ ، وليتعرفوا كذلك علي السنن الربانية التي أودعها في هذا الكون ، والطاقات التي سخرها لهم فيه ليقوموا بعمارة الأرض ، ويبتغوا من فضل الله

{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) } [سورة الإسراء 17/12]

{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) } [سورة الملك 67/3]

ومن ثم انطلقوا"يدرسون"هذا الكون ويتعرفون علي أسراره .. فتقدم العلم علي أيديهم تقدما ضخما ، في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب وغيرها من العلوم النظرية والتجريبية .. وأكتشفوا -من بين ما اكتشفوا - أن هناك سببا لكل شئ يحدث في الكون المادي ، من نور وظلام وكسوف وخسوف ، ورياح ومطر ، وجدب وخصب وزيادة ونقص ..إلخ

ولكن اكتشاف"السبب الظاهر"لم يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة لنيوتن ومن بعده من"العلماء"‍!

فلم يجعلوه بديلا من السبب الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالي ، ولم يستغنوا به عن الله ، ولم يتصوروا أن له حتمية تقيد مشيئة الله الطليقة بحيث يعجز سبحانه عن التصرف في الكون بما يشاء ، كما توهم نيوتن ومن بعده .

(1) يقول تعالي:"إنا كل شئ خلقناه بقدر" ( سورة القمر: 49 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت