فهرس الكتاب

الصفحة 22514 من 27364

إنما عرفوا أن هذا"السبب الظاهر"هو"السنة الجارية"التي تجري شئون الكون المادي من خلالها ، ومن ثم فهي ليست بديلا من الله سبحانه وتعالي ، وهي جزء من مشيئته ، ولا تعارض بين تفسير أي أمر من أمور هذا الكون بسببه الظاهر وتفسيره بأنه راجع إلي مشيئة الله ، مادام السبب الظاهر أو"السنة الجارية"من مشيئة الله ، ومن ثم فلا تعارض بين ماسموه"الطبيعة"وما سموه"ما وراء الطبيعة"بحيث يمتنع عليك الإيمان بهذه وتلك في آن واحد كما توهمت عقلانية ما بعد النهضة في أوربا ، نتيجة أن ما وراء الطبيعية في ظل السيطرة الكنسية ولحجر علي العقل كان ينفي الأسباب الظاهرة أو لا يعول عليها في تفسير أمر من أمور الكون ، وأن اكتشاف"السبب"جاء في جو من العداء للدين والكنيسة ، فوضع - من ثم - مناهضا ومعاديا لما رواء الطبيعية ، بالإضافة إلي أن القوم هناك ظلوا - في ظل الإيمان بما وراء الطبيعة علي الطريقة الكنسية - في جهل مطبق بكثير مما يحيط بهم في هذا الكون ، بينما جاء اكتشاف السبب الظاهر في وسط معلومات عن هذا الكون تبهر العقول ‍!

كلا ! لم يفتن المسلمون باكتشاف السبب الظاهر كما فتنت أوربا في جاهلية ما بعد القرون الوسطي ، المظلمة عندهم ، بل ظلوا يكشفون كل يوم جديد من أسرار هذا الكون يحققون به تسخيرا جديدا لطاقات السماوات والأرض ، المسخرة من الله أصلا للإنسان ، والتي يحتاج تحقيق تسخيرها من قبل الإنسان إلي جهد عقلي يتعرف به علي السنن الربانية وجهد عضلي لتحويل المعرفة النظرية إلي واقع

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]

{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) } [سورة النحل 16/78]

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [سورة الملك 67/15]

ولم يتصور المسلمون في بلاهة تلك الجاهلية"أنه ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلي الإله صانع هذه الساعة الضخمة الكونية"لمجرد أنهم عرفوا سرا من أسرارها ، بل أحسوا - كما بينا من قبل - أن العلم نفحة ربانية يمن الله بها علي عبادة ، فينبغي أن يشكروه عليها بإقامة الصلاة لا بقطعها ، وإدامه التعبد والخشية لله . كما عرفوا أنهم مهما تعلموا من أمور الكون فعلمهم قليل ، وانهم في فقر دائم إلي الله واحتياج:

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر 35/28]

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) } [سورة الإسراء 17/85]

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [سورة فاطر 35/15]

كذلك لم يتصوروا في بلاهة أن الله عاجز عن التصرف في شئون الكون بمشيئته الطليقة لمجرد أنه ثبت سنته الجارية كما تصور نيوتن:"ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلي الإله صانع هذه الساعة الضخمة الكونية الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله"! ! ومن ثم لم ينكروا المعجزات كما أنكرتها عقلانية النهضة وما بعدها . إنما عرفوا أن الله سبحانه وتعالي ثبت سنته - بمشيئته الطليقة - رحمة بالإنسان ، وإعانة له علي القيام بدور الخلافة . ولكنه سبحانه وتعالي طليق المشيئة يصنع في هذا الكون ما يشاء ، لا يقيد مشيئته شئ عي الإطلاق .. و ثبوت سنته الجارية (1) فإن شاء سبحانه وتعالي أن يغير شيئا من نظام الكون - لحكمه يريدها ليظهر للناس معجزة من معجزاته ، أو يغير نظام الكون كله يوم القيامة كما أخبر عباده في كتبه المنزلية ، فلن يقف ثبوت السنة الجارية أمام مشيئة جل وعلا ، إذا السنة الجارية من مشيئته ، والسنة الخارقة من مشيئته ، وهو سبحانه يستخدم هذه السنة أو تلك وقتما يشاء وكيفما يشاء لا قيد علي مشيئته يمنعه من التصرف كيف يشاء .

و"المعجزة"كما نطلق عليها هي شئ خارق للسنة الجارية .. نعم .. ولكن"الإعجاز"في السنة الجارية هو الإعجاز في الخارقة . مصدرهما واحد وحوهرهما واحد .. هو القدرة الإلهية التي لا يعجزها شئ في السموات ولا في الأرض .. وإلا فهل خلق الحياة من الموات - الذي هو في حسنا من السنة الجارية - أقل روعة أو أقل إعجازا من شق البحث بالعصا ، أو وقف دوره الشمس لفترة من الوقت أو غير ذلك من المعجزات ؟ وهل الذي يخلق الكون كله من العدم يعجز عن تصرف جزئ في هذا الكون تقتضيه حكمته سبحانه ؟!

(1) راجع في ذلك فصل"التوازن"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت