فهرس الكتاب

الصفحة 22515 من 27364

وكما لم تكن معرفة المسلمين المبكرة بالأسباب الظاهرة وثبوت السنة الجارية مانعا لهم من الإيمان بالمعجزات التي جاءت في الكتب المنزلة ، كذلك لم يكن إيمانهم بالمعجزات داعيا إلي الخرافة ، ولا الاعتقاد بأن الكون فوضي لا يضبطه ضابط ولا يربطه نظام و ط العلم"الذي أخرجوه هو البرهان علي ذلك ، فقد كان هذا العلم من الدقة والانضباط - بحسب المتاح في وقته من الأدوات - لدرجة شهد لها كل منصف في التاريخ وكله شاهد بأن المسلمين كانوا يتعاملون مع هذا الكون علي أساس أن هناك نظاما دقيقا يربطه ، نظاما من"الأسباب"و"النتائج"معجزة بدقته ، رائع بانضباطه"

{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) } [سورة الملك 67/3]

إنما كانوا علي"التوازن"الذي علمهم أياه الإسلام

أما"عقلانية"النهضة"وما بعدها فقد خرجت علي الناس بأمور"غير معقولة ط علي الإطلاق .. من نفي لوجود الله تارة ، ومن إثبات له تارة أخري مع نفي قدرته علي التصرف ، ومن جعل السبب الظاهر بديلا من السبب الحقيقي ، ومن جعل ثبوت الاسباب الظاهرة حتميات (1) تفرض نفسها علي مشيئة الله !

…ودار الزمن دورة أخري فانتقلت أوروبا - فيما يقال - من سيادة العقل إلي سيادة الطبيعة ، حين كشف العلم مزيدا من أسرار الكون واقتنع"المفكرون"أن الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه هو"الطبيعة"لأنها هي التي تنقش في العقل ما يتولد فيه من أفكار . فليس مصدر المعرفة إذا هو الوحي الرباني - وقد نبذوه وراءهم ظهريا سواء منه ما كان حقيقيا بلا تحريف ، وما اخترعته الكنيسة من عندها ، وقالت إنه من وحي الله - ولا هو العقل ، الذي لا ينشئ - ولا ينبغي له أن ينشئ - شيئا من عنده - إنما هو الطبيعة: هو عالم الحس .. هو الحقيقية الموضوعية ..

يقول الدكتور محمد البهي في تلخيصه الجيد الذي نقلناه من قبل عن الفلسفة الوضعية وتقديرها للطبيعة

"ومعني تقديرها للطبيعة علي هذا النحو أن الطبيعة - في نظرها - هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان ، وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة ، هي التي تكون عقل الإنسان ، والإنسان - لهذا لا يملي عليه من خارج الطبيعة ، أي لا يملي عليه مما وراءها ، كما لا يملي عليه من ذاته الخاصة ، إذ ما يأتي من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليست (هي) حقيقة ايضا !"

"وبناء علي ذلك يكون"الدين"- وهو وحي ( أي ما بعد الطبيعة ) - خداعا ! وهو وحي ذلك الموجود الذي لا يحده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية ."

"وكذلك"المثالية العقلية"وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي ، إذ هي تصورات الإنسان من ( عند ) نفسه ، من غير ان يستلم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله"

"إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة - أي ما فيه من معرفة - وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية ، إنه مخلقو ، ولكن خالقه الوجود الحسي (2) "

ولقد يفهم من هذا لأول وهلة أن العقلانية التي تتبعنا أطوارها في عصر النهضة وما بعدها قد انتهت وحل محلها طور جديد لا يمت لها بصلة .. ولكن هذا غير الواقع

لقد تغير الإله المعبود عندهم بالفعل فلم يعد هو العقل ، وإنما صار هو الطبيعة التي قال عنها دوران"الطبيعة تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها علي الخلق"

ولكن الإله الجديد لم يقتل الإله الأول ، ولم يخرجه من الساحة ليحل محله ، إنما قيده فقط بقيوده وأخضعه لشروط ه ، وإن كان قد شد علي يديه في حرارة مؤيدتا ومؤازرا في نقطة واحدة معينة هي نفي الإله الحقيقي - سبحانه وتعالي- واخراجه نهائيا من الساحة ( نستغفر الله ) وإن اختلفت زوايا الرصد واختلف"المنطق"المستخدم فالإله الأول - العقل - ينبذه بحجة أنه"غير معقول"!! والإله الثاني - الطبيعة - ينبذه لأنه لا يدرك بالحس ولا يخضع للتجربة في المعمل !! تعالي الله عما يقولون علوا كيرا ..

إن المنهج التجريبي الذي تعلمته أوربا من المسلمين لم يؤث ثماره الظاهرة في ميدان العلم إلا في القرن التاسع عشر علي وجه التقريب ، ولكنه تحول عندهم إلي فتنة طاغية ، لأن أوروبا أخذته دون أن تأخذ اقاعدة الإيمانية التي كان يقوم عليها عند المسلمين ، وهي قاعدته الأصلية ، فكأنه نبات انتزع من بيئته انتزاعا وغرس في بيئة أخري لا تناسب الأولي ، ولا تشبهها في مكوناتها ومقوماتها ،فطال وارتفع ، ولكنه أثمر ثمارا شيطانية غير الثمار الطيبة التي كان يؤتيها من قبل .

كان المنهج التجريبي عند المسلمين نابعا من التوجيه الإسلامي الإيماني .. نابعا من مثل هذه التوجيهات:

{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) } [سورة الإسراء 17/36]

(1) ثاب العلم أخيرا إلي أه لا توجد"حتميات"فيما سموه"قوانين الطبعية"إنما هي"احتمالات"

(2) 298-299 من كتاب"الفكر الإسلامي الحديث"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت