فهرس الكتاب

الصفحة 22516 من 27364

{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} [سورة البقرة 2/189]

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) } [سورة الذاريات 51/20-21]

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) } [سورة السجدة 32/27]

"تداووا . عباد الله فإن الله تعالي لم يضع داء إلا وضع له دواء ، إلا داء واحد: الهرم"وغيرها .. وغيرها .. مما جاء في الكتاب والسنة .. كثير

وكانت هذه التوجيهات - التي حولت المسلمين من أمة لا اهتمام لها بالعلم في جاهليتها إلي أمة عالمة في كل فروع العلم المتاحة لها بحسب وقتها ، وحولت العلم من الاتجاه النظري الإغريقي إلي الاتجاه العملي التجريبي - موجه إلي غايتين في آن واحد"الفكر في أيات الله في الكون للتعرف علي قدرته المعجزة من أجل إخلاص العبادة له وحده ، والفكر في تلك الآيات للتعرف علي السنن الكونية الربانية لتحقيق معني الخلافة وعمارة الأرض"

ومن ثم لم تفترق الغايتان في حس المسلمين كما افترقتا - وتعارضتا - في حس أوروبا !

لم يشعر المسلمون أن تفكرهم في آيات الله في الكون من أجل إخلاص العبادة له ، مانع لهم من البحث عن السنن الكونية الربانية من أجل عمارة الأرض ولم يشعروا كذلك أن البحث عن هذه السنن من أجل عمارة الأرض مانع لهم من إخلاص العبادة لله . لأنه لا تعارض في الحقيقة . والله يقول لهم:

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/77]

ويقول لهم:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [سورة الملك 67/15]

فالمشي في مناكب الأرض والأكل من رزق الله - المؤدي إلي عمارة الأرض - يصحبه في التوجيه الرباني التذكير بالآخرة ، وواجب إخلاص العبادة لله من أجل النشور ، يوم يحاسب الناس علي ما عملوا في الحياة الدنيا . فلا العمل من أجل الحياة الدنيا مانع من اخلاص العبادة وتذكر النشور ، ولا تذكر النشور مانع من عمارة الأرض . وهكذا يتوازن"الإنسان"بين مطالب الجسد ومطالب الروح ، ومطالب الدنيا ومطالب الآخرة … بل هكذا في الواقع يصبح الإنسان إنسان علي الحقيقة لا حيوانا في صورة إنسان كما هو في الجاهلية المعاصرة . إنسان يسعي بكل فاعليته في واقع الأرض لعمارتها والهيمنة عليها والإنشاء والتغيير فيها بما يحقق معني الخلافة ، وهو في الوقت ذاته محكوم"بالقيم"المرتبطة بيوم النشور ، النابعة كلها من إخلاص العبادة لله ، ونبذ الأرباب المزعومة كلها ، المؤدية إلي عبادة الشيطان من سبله المتعددة:

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام 6/153]

أما في الجاهلية المعاصرة فقد سارت الأمور في طريق آخر ..

ذلك أن أوروبا استنبتت المنهج التجريبي الذي أخذته من المسلمين ، في أرض سبخة يملؤها العداء للدين والفرار من الله بدلا من الفرار إليه:

{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ...} [سورة الذاريات 51/50-51]

وكانت النتيجة أن أصبح المنهج التجريبي فتنة لأوروبا ، كلما فتح عينيها علي مزيد من أسرار الكون زادوا بعدا عن الله ! أو كما يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديد"إن الإنسان كان يعبد الله من قبل في عصر العجز والجهل بسبب عجزه وجهله . أما الآن وقد تعلم وسيطر علي البيئة فقد 'ن له أن يحمل علي عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل علي عاتق الله .. ومن ثم يصبح هو الله !

ولم تكن الفتنة هي غرور الإنسان بنفسه وظنه أنه مستغن عن الله فحسب (1) بل كانت بالإضاقة إلي ذلك قتنة بالعلم وبالمنهج التجريبي ، فأصبحت التجربة الحسية المعملية هي"الميعار"الذي تقاس به"حقيقة"كل شئ ، ويرد إليه"صدق"كل شئ ! فما أمكن إثباته عن طريق التجربة المعملية فهو الموجود علي الحقيقة، وهو الموثوق بصدقه ، وما لا يمكن إثباته عن هذا الطريق فهو إما شئ لا وجود له وإما شئ ساقط من الحساب . ودخلت في هذا القبيل قضية الألوهية بكاملها ، بكل ما حولها من وحي ورسل وكتب وبعث ونشور وحساب وجزاء .. أو باختصار: قضية الإيمان (2)

(1) يقول رب العالمين جل وعلا"كلا ! إن الإنسان ليطغي ، ان رآه ستغني"

(2) مر النص من حديث جبريل عليه السلام:"قال أخبرني عن الإيمان قال أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت