فهرس الكتاب
وإذا كانت عقلانية عصر النهضة وما بعدها قد اغلقت كل منافذ المعرفة إلا العقل ،/ ولكنها تركته يسرح حيث يشاء ، ويشطح كيف يشاء ، فإن"العقلانية التجريبية"التي سيطرت علي الفكر الأوروبي منذ القرن التاسع عشر ، قد اغفلت كل منافذ العقل إلا التجربة والحس ! وتلك هي اللعنة التي نجا منها الفكر الإسلامي الأصيل (1) وقت أن كان المسلمون مستقيمين علي نهج الإسلام الصحيح .
لقد كانت المسلمون - كما بينا - هم الذين أنشأوا المنهج التجريبي في البحث العلمي . ولكنهم أدركوا - بداهة - أنه ليس كل شئ يدخل المعمل للتجربة ! إنما الذي يصلح لذلك هو"المادة"والجسم"ولم يتوانوا هم في إدخال المادة والجسم معمل التجربة ، فتقدمت الفيزياء والكيمياء والطب علي أيديهم تقدما يعتبر بالنسبة إلي وقتهم فتوحات ."
ولكنهم - فيما عدا القلة الشاذة التي تأثرت بالفكر الإغريقي - لم يغفلوا .
كل منافذ المعرفة غير العقل (2) ثم إنهم - قط لم يغلقوا كل منافذ العقل غير التجربة والحس
لقد أدركوا ، وصدقوا وآمنوا أن الله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [سورة الأنعام 6/103] ومن ثم لم يجعلوا الذي يرجعون إليه في إثبات وجود الله ووحدانيته وتفرده بصفاته التي يتصف بها هو التجربة الحسية ! إلا من جانب واحد هو رؤية أثار قدرة الله في الكون ، والاستدلال منها عل كل ما تدل عليه من وجود الله ووحدانيته وتفرده . وهذا هو المنهج العلمي الصحيح الذي فاء إليه أخيرا نفرد من العلماء في الجاهلية المعاصرة في القرن العشرين (3)
ثم إن المسلمين لم تكن لديهم كنيسة تدفعهم - بتصرفاتها - إلي حماقة عدم تسمية الله باسم الصحيح ! ولا إضفاء الله علي إله آخر مزعوم أسمه الطبيعة ، أو اسمه المادة ، لمجرد الهروب من طغيان الكنيسة .. فإذا ذكر الله أشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الإله المزعوم إذا هم يستبشرون ! وإذ ظلوا يعرفون الله باسمه الصحيح ، ويعبدونه - من ثم - العبادة الصحيحة ، فإن السبل لم تختلط عليهم ، ولم يجعلوا قضايا الوحي والرسالة واليوم الآخر قضايا تجريبية ، إنما قضيا إيمانية يسلمون بها بعد أن تتأكد عقولهم بكل وسائل الاستدلال - من وجود الله سبحانه وتعالي ، وقدرته التي لا تحدها حدود ، وتتأكد من صدق الرسول المرسل إليهم صلي الله عليهم وسلم ، ومن أن ما يخبر به عن ربه وحي لا شك في .
ولم يتعارض في حسهم الإيمان بما تدركه الحواس مع الإيمان بما لا تدركه الحواس ، أو الإيمان بالغيب ، فهذا له قناة في الفطرة وذاك له قتاة ، كلتاهما تمد الإنسان بلون من المعرفة غير الذي تمده به الأخري ، ومن مجموعها معا تتكون المعرفة اللازمة للإنسان
لم يغلقوا علي أنفسهم نافذة الغيب في سبيل تأكيد العالم المحسوس وتأكيد عرفتهم به . كما لم يغلقوا علي انفسهم نافذة المحسوس في سبيل تأكيد إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره
وبذلك تقدموا بالمنهج التجريبي ذلك التقدم الهائل الذي أحرزوه دون ان يحتاجوا إلي مسخ الإنسان وطمس بصيرته وتعتيم روحه علي النحو الكريه الذي صنعته الجاهلية المعاصرة ، فظلت تهبط بالإنسان دركا وراء درك حتي لتوشك أن تسلمه إلي الدمار
ونريد ان نتعرف علي الموقف الصحيح للعقل والعقلانية كما يقدمه الإسلام وكما مارسه المسلمون وقت أن كانوا مستقيمين علي المنهج الصحيح
ولكنا لا نستطيع أن نختم الحديث عن عقلانية الجاهلية ، والعقلانية المعاصرة بصفة خاصة قبل أن نشير إلي قوله عجيبة وردت في كتاب من كتب سارتر ، الكاتب الوجودي المعروف ، ذات صلة بالموضوع ، ودلالة لا تحتاج إلي تعليق !
وسارتر يهودي وإن كان كثير من الناس لا يعلمون ذلك ! فقد ورد في الدستور اليهودي أن اليهودي من كانت أمه يهودية ، وأم سارتر يهودية كما ذكر هو في هذا الكتاب المشار إليه ، والذي عنوانه"تأملات في المشكلة اليهودية r eflec - tions su r la question juive والذي أنصح بقراءته كل قارئ يملك قراءته بلغته الأصلية الفرنسية - أو ترجمته بالإنجليزية بعنوان"Anti- S r mite and Jew"ذلك أنه لم يترجم إلي الغربية فيما أعلم ."
…صدر هذا الكتاب عام 1946م بمناسبة الحديث عن تقسيم فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية .. وقيمته من وجهة نظرنا إنه يعترف بأفاعيل اليهود في إفساد البشرية في أثناء محاولته الدفاع عنهم ! ذلك أن طريقته في الدفاع عن اليهود هي ن يذكر التهم الموجهة إليه ، ثم يقول إنها صحيحة ! ولكنهم معذورون في إتيانها بسبب كذا وكذا!
وسواء اقتنعت بوجاهة الأسباب أم لم تقتنع - وهي في مجموعها متهافتة لا تقنع أحد - فإنها تؤكد التهمة ولا تنفيها ! ويزيد من قيمة شهادته أنه"شاهد من أهلها"لا يتهم بالتعصب ولا التحيز ولا التقول ولا الافتئات !
(1) أي الذي لم يتأثر بفكر أجنبي عن الإسلام
(2) وحتي هؤلاء لم يصلوا إلي درجة الإعريق وإن كانوا تأثروا بهم .
(3) انظر الكتاب الله يتجلي في عصر العلم"لمحموعة منا لعلماء الغربيين"