فهرس الكتاب

الصفحة 22520 من 27364

الشق الأول من القضية هو المتعلق بمقام الألوهية: من الإله ؟ من المعبود ؟ من صاحب الأمر ؟ وهي كلها مترتبة علي سؤال أولي: نم الخالق ؟ من المدبر ؟ من المهيمن ؟ من صاحب السلطان ؟ الله أم الإنسان؟

فإذا كان الله هو الخالق والإنسان هو المخلوق ، فقد تحدد مقام الألوهية ومقام العبودية ، وأصبح صاحب الحق في أمر التشريع - كما في كل أمر آخر - هو الله الخالق لا الإنسان المخلوق.. إلا أن يأذن له صاحب الأمر

{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54]

{إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) } [سورة يوسف 12/40]

{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [سورة الزمر 39/3]

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى 42/21]

وقضية الكفر والإيمان - أو قضية الجاهلية والإسلام - هي دائما هذه القضية ، مصحوبة - في الغالب - بقضية العبادة بمعني أداء الشعائر التعبدية

{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [سورة النحل 16/35]

فالأولي متعلقة بالألوهية: هل الله واحد أم آله شتي ؟ فإذا كان واحد فمن حقه أن يعبد وحده ، أي تقدم الشعائر التعبدية له وحده. والثانية متعلقة بخصيصة من خصائص الألوهية وهي الحاكمة: هل الله الذي يحكم ، فيحل ويحرم ، ويبيح ويمنع ، أم له شركاء في التشريع ، يقولون من عند أنفسهم: هذا حلال وهذا حرام ، وهذا مباح وهذا غير مباح ، بغير سلطان من الله ؟ فما دام الله واحد في أولهيته ، فالحاكمة - من ثم - له وحده لأنها خصيصة الألوهية .

والإيمان هو التوحيد في هذه وتلك ، والكفر هو الشرك في هذه أو تلك أو فيهما جميعا

وقضية الجاهلية دائما هي الاستكبار عن عبادة الله - سواء كانت العبادة هي أداء الشعائر التعبدية لله وحده ، المترتب علي الاعتقاد القلبي بوحدانية الله ، أو كانت هي التحاكم إلي شريعة الله ، المترتب كذلك علي الاعتقاد القلبي بوحدانية الله .

{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [سورة غافر 40/56]

وفي الجاهليات القديمة كلها كان الناس يؤمنون بأن الله هو الخالق ، ولكنهم يشركون معه إلهه أخري يضفون عليها بعض صفات الألوهية . اما في قضية التشريع فكان كبراؤهم يتنكبون الطريق ، فيعطون لأنفسم حقا من الحقوق المتعلقة بالألوهية - هو حق الحاكمية - فيشرعون بغير سلطان من الله ، ويجعلون من أنفسهم أربابا مع الله . وأما المستضعفون فيخضعون لهؤلاء الأرباب المزيفين بحكم ما في أيديهم من السلطان القوي فيعطونهم حق التشريع ، ويستعبدون أنفسهم لهم بالخضوع لما يشرعونه من تشريع … فيشترك الذين استكبروا والذين استضعفوا في شرك العبادة ، ثم ينقسمون بعد ذلك إلي سادة وعبيد . السادة يملكون ويحكمون ، والعبيد لا يملكون ولا يحكمون ..إنما يقع عليهم الذل والهوان والضياع والبؤس كشأن كل جاهلية في الماضي .. وكل جاهلية أتية إلي قيام الساعة

أما الجاهلية المعاصرة فقد استكبرت استكبارا من نوع آخر فنفت وجود الله أصلا ، وزعمت أن الطبيعة أو المادة هي الخالق الأزلي الأبدي ذو السلطان . ولكنها في قضية التشريع سارت علي ذات النمط الذي سارت عليه كل جاهلية من قبل ، فاستأثر بالتشريع ذوو السلطان ، وخضع لهم العبيد ، فاستوي بذلك عهد الرق وعهد الإقطاع وعهد الرأسمالية وعهد الشيوعية علي خلاف في الصورة لا يقدم ولا يؤخر كثيرا في واقع الأمر (1)

هذا هو الشق الأول من قضية التشريع المتعلق بمقام الألوهية . أما الشق الآخر فهو متعلق كذلك بقضية الألوهية ولكن من جانب آخر .

كان الشق الأول من القضية: من الذي يحق له أن يشرع ، الخالق أم المخلوق ؟ أما الشق الآخر فهو: من الذي يحق له أن يشرع ، العلم الخبير أم الذين لا يعلمون ؟

والإنسان - في الجاهلية الأخيرة خاصة - يزعم أنه هو العليم الخبير ، ومن ثم فهو الذي يحق له أن يضع التشريع

وبصرف النظر عن أن الأصل في القضية هو الاستكبار عن عبادة الله فلننظر في هذا الإنسان الذي يزعم أنه هو العليم الخبير ، كيف يعالج شؤون حياته في معزل عن منهج الله !

كان العمال في الرأسمالية خاضعين للظلم الواقع عليهم من أصحاب رؤوس الأموال ، يسرقون كدحهم ويأكلون جهدهم ولا يعطونهم إلا الكفاف .. ففكر"الإنسان"في طريقه لرفع ذلك الظلم فابتدع الشيوعية .. فأزيلت الملكية الفردية كلها وأصبحت الدولة هي المالك الوحيد . فوقع الناس جميعا في الذل المهين للمالك الجديد ، يستعبدهم بلقمة الخبز ، فلا يملكون أن يفتحوا أفواههم بكلمة نقد واحدة للسيد المعبود!

(1) راجع فصلي الديمقراطي والشيوعية في هذا الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت