فهرس الكتاب

الصفحة 22519 من 27364

{وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (54) } [سورة الكهف 18/54]

{وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [سورة غافر 40/5]

{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} [سورة الأعراف 7/179]

ومعرفة هذه الحقيقة عن العقل لا تنقص من قدرة كأداة للتفكير ، بل أن هناك ميادين من الفكر هي خالصة للعقل لا يشاركه فيها غيره من أدوات التلقي وأدوات تحصيل المعرفة ، كما سيجئ بيانه . وإنما معرفة هذه الحقيقة تجعلنا نحتفظ فقط في تقديرنا للقيمة النهائية للعقل ، بحيث لا نجعله هو المحكم في كل شئ ، ولا المرجع الأخير لكل شئ ! إنما ننزله منزلة الحق ، فما كان فيه هو المرجع الوحيد أو المرجع النهائي وكلناه إليه كله ، وما كان فيه قمينا أن يضل إذا ترك وحده جعلنا له الصحبة التي تمنع ضلالة وما كان عاجزا عن الوصول فيه إلي شئ لم نفحمه فيه ,.. وهذا هو منهج الإسلام

يمنح الإسلام العقل مجالا واسعا للعمل ، هو أوسع مجال سليم للعقل منحه إياه نظام من النظم أو عقيدة من العقائد ., وفي الوقت نفسه يمنعه من مجالات بعينها ويحظر عليه التفكير فيها ، أو ينكر عليه حق التفكير.

ونبدأ بالحديث عن الأخيرة لأنها - في الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة - مظنة الحجر علي العقل بغير موجب !

يحظر الإسلام علي العقل أمورا ثلاثة: التفكير في ذات الله ، والتفكير في القدر . والتشريع من دون الله

"تفكروا في خلق ولا تفكروا في الله"

"وإذا ذكر القدر فأمسكوا"

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) } [سورة المائدة 5/44]

وأما الأولي والثانية فالحظر فيها ليس حجرا علي"حرية الفكر"إنما هو صيانة لطاقة العقل أن تتبدد فيما لا طائل وراءه ، وإلا فلننظر في"الإنتاج البشري"كله فيما يتعلق بذات الله /، في الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي وما يسمي بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام .., إلي أي شئ وصل ؟! وإلي أي شئ كان قمينا أن يصل

لا شئ !

لأنه اقتحام بلا أداة .. أو بغير الأداة الصالحة للوصول

كالمفتاح الذي يدور في القفل ويدور .. والقف لا يفتح.. لأن المفتاح أضأل من أن يفتح القفل !

كما قلنا من قبل: ليس العيب في القفل ولا في المفتاح ، ولكنه في إصرارنا نحن أن نفتح القفل بغير مفتاحه !

الروح هي أداة الوصول

لا نعرف نحن كيف تصل .. ولكنها تصل ! في لحظة الإشراف .. في لحظة التوهج .. تصل ! وتحس بالوصول ! وتنعم بالوصول ! وليس معني ذلك - كما أوضحنا من قبل - أن العقل ليس له دور في عملية الإيمان . كلا ! إن له دوره المخصص له لكن الإيمان بالله شئ ، والإحاطة بكنة الذات الإلهية - وهو ما يحاوله العقل - شئ أخر لا يمكن أن نصل إليه

والذي تصل إليه الروح ليس هو الإحاطة بكنة الذات الإلهية كذلك . إنما هو القرب الذي يتلقي النور ويفيض عليه النور ، فيستغني عن"البحث"في الكنة ن الذي يحاوله العقل ولا يصل إلي شئ منه ! وهذه المشاعر يملكها كل إنسان في لحظات التوجه الصادق إلي الله . وإن كان الإنسان - بطبيعته - لا يثبت عليها كما تثبت الملائكة الإطهار .. ولا هو مطلوب منه أن يثبت عليها لأن الله لا يكلف كل نفس إلا وسعها

شكا الصحابة رضوان الله عليهم إلي رسول ال صلى الله عليه وسلم أنهم حين يكونون معه يكونون في حال ، وإذا خرجوا من عنده وانساحوا في الحياة تغيرت بهم الحال . فقال لهم رسول ا صلى الله عليه وسلم ما معناه إنهم لو ظلوا علي حالتهم التي يكونون عليها وهم في صحبته لصافحتهم الملائكة !

ذلك هو الوصول الذي تقدر عليه الروح .. ولا يستطيع العقل أن يمارسه لأنه ليس من شأنه

وأما القدر فشأنه كذلك ..ليس للعقل فيه مجال ..

إنما يحتاج الإنسان لكي يدرك كيف يجري الله قدرة ، بخيره وشره ، إن يكون علي مستوي الإله ! وذلك أمر لن يكون . فالله وحده هو المتفرد بالألوهية والعلم المحيط بالزمان والمكان والأشياء والأشخاص والأحداث

ومن ثم ضل"العقل"حيثما تكلم في القدر .. واسترح القلب المؤمن المطمئن بذكر الله

{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [سورة الرعد 13/28]

ومن لم يطمئن قلبه .. وسعي"بعقله"أن يعقل القدر .. فلاي شئ وصل من خلال الفلسفة والفكر والكلام ؟!

كلا ! لم يكن حجرا علي"حرية الفكر"إنما صيانة لطاقة العقل أن تتبدد فيما لا طائل وراءه .. ومن أبي أن يلتزم بالحظر فقد إنهك عقله ، وشقي ، ولم يجد في النهاية الظل الذي يفئ إليه من لفحة الرمضاء ! وهي علي أي حال نصيحة يلتزم بها العاقل فيجد فيها الخير ، ويتجنبها من يتجنبها فيلقي جزاء المخالفة اضطرابا وحيرة ولا تستقر .

أما التشريع بغير ما انزل الله فليس الأمر فيه"نصيحة"توجه إلي الناس . إنما هي قضية كفر وإيمان

والقضية علي أي حال ذات شقين ، كلاهما يتعلق بالألوهية وما ينبغي لها في شأن التشريع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت