فهرس الكتاب

الصفحة 22522 من 27364

أولا: في قضية الإيمان- كما أسلفنا - يخاطب الإسلام الإنسان كله ، بكل جانب من جوانبه ويركز علي الجانب الوجداني لأن العقدية دائما تخاطب الوجدان وتحيي فيه وتتحرك به ، ولكنه يخاطب العقل كذلك في ذات الوقت ، ويستنهضه للتفكر والتدبر والتأمل ، للتتآزر جوانب الإنسان كلها للوصول إلي الحقيقة ، حقيقة الألوهية ، وما يترتب علي معرفتها من التزامات في كل مجالات الحياة والشعور والفكر والسلوك

يخاطبه ليتدبر في آيات الخلق .. خلق الكون وخلق الإنسان .. هل من خالق غير الله ؟

{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) } [سورة الطور 52/35-36]

{خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) } [سورة لقمان 31/10-11]

ومازال هذا التحدي قائما .. وسيظل قائما إلي أن يرث الله الأرض وما عليها .. وكل محاولات الجاهلية المعاصرة أن تزيغ عن مجابهة التحدي ، بالقول بالمصادقة تارة ، وبالخالق الذاتي تارة ، وبأي كلام تارة أخري إنما هي محاولات متهافتة لا يقبلها"العقل"لو تجرد للتفكر بغير ضغوط وبغير شهوات ! والإسلام يخاطب العقل ليتجرد في تفكره ، وليصل إلي النتيجة الموضوعية العلمية التي يدل عليها كل ما في السماوات والأرض من شئ ويتخلي عن الهوي الذي يعمي وعن الكبر الذي يضل .. فيجد الحقيقة بارزة تملأ اليقين .

{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) } [سورة النحل 16/17]

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء 21/22]

{إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [سورة المؤمنون 23/91]

وكما يخاطبه ليستيفن من حقيقه الألوهية وتفرد الله بالخلق والتدبير .. - بطرق استدلالاته الخاصة من استقرار واستنباط وقياس ومنطق ..إلخ - يخاطب ليرتب علي يقينه ذلك ما يستتبعه من نبعات .. فإذا كان الله متصفا بتلك الصفات التي استدل عليها وتيقن منها فمن الجدير بالعبادة غيره ، ومن الجدير بالطاعة غيره؟

كذلك يخاطبه ليستيقن الحق الذي خلقت به السماوات والأرض ، وما يستتبع هذا الحق من بعث ونشور وحساب وثواب وعقاب:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) } [سورة المؤمنون 23/115]

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا...} [سورة ص 38/27]

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) } [سورة آل 3/190-194]

إن الله الذي صفاته هي تلك التي عرفها العقل واستيقن منها لا يمكن - عقلا - إن يخلق شيئا عبثا ، أوأن يخلق شيئا باطلا ، إنما يخلق كل شئ بالحق ، والحق يقتضي أن يكون هناك يوم يحاسب فيه الناس علي ما عملوه في الحياة الدنيا ، لأنه لا يتم الجزاء الحق في الحياة الدنيا كما يري الإنسان بنفسه .. فكم من ظالم ظل يظلم حتي مات ، وكم من مظلوم ظل مظلوما حتي مات . فلو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف فأين الحق؟ إنما يحق الحق حين يبعث الناس فيحاسبون علي السيئة والحسنة ، ويأخذ كل إنسان جزاءه بالحق ..

وإذا كان الأمر علي هذه الصورة فإن"العقل"يقتضي أن يحسب الإنسان لهذا اليوم حسابه ، وأن يعمل من الأعمال ما يقربه من لجنة ويبعده عن النار .. وألا تفتنة اللذة العاجلة عن النعيم المقيم .

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [سورة آل 3/185]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت