فهرس الكتاب

الصفحة 22523 من 27364

"كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور:"

وهذا الأمور كلها يخاطب فيها الوجدان - مع العقل - لتتربت عليها حركة سلوكية واقعية ، ولكن نصيب العقل فيها واضح لا يحتاج إلي تأكيد

ثانيا: يوجه العقل بعد ذلك إلي تدبير آيات الله في الكون للتعرف علي أسراره . للتعرف علي خواص ذلك الكون ، لإمكان تسخيرها لعمارة الأرض .

والتسخير قائم من عند الله ابتداء:

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]

ولكن تحقيق هذا التسخير في عالم الواقع لا يتم بمجرد رغبة الإنسان في ذلك ،فهو ليس إلها يقول للشئ كن فيكون ، إنما يتحقق هذا التسخير بجهد معين يبذله الإنسان ، جهد عقلي يتعرف به الإنسان علي أساس الكون وخواصه ، وجهد عضلي يطبق به الإنسان ثمار معرفته في صورة عمل منتج .

وكل ذلك يوجه العقل لآدائه . بل هو ميدانة الأصيل الذي تتجلي فيه كل عبقريته ، والذي لا يشاركه فيه غيره . وليس معني ذلك أنه في هذا الميدان لا يخطئ ولايتوهم ، فكثير ما يقع في الخطأ والوهم كما بين تاريخ العلوم ، ولكن معناه أن لديه أوسع فرصة ليصل إلي الحقيقة فيما قدر الله أن يكشف له من أمور هذا الكون . ولكنه يوجه إلي ذلك بعد أن يوجه إلي التعرف علي الخالق ، وعلي كل قضايا العقيدة

ولذلك حكمة واضحة

فالعقل البشري ما لم يعوقه معوق - كما كان من أمر الكنيسة الأوروبية وحجرها علي العقل أن يفكر - مفطور بطبعه علي التفكير فيما حوله ، واستنباط الطرق التي تحقق للإنسان حاجاته ، ثم تحسينها ومحاولة الوصول بها إلي أقصي حد من الاتقان والفاعلية ، من أجل الحصول علي القدر من"المتاع"الذي قدره الله للإنسان في الأرض .

{وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) } [سورة البقرة 2/36]

ولكن العبرة في حياة"الإنسان"ليست بمجرد العمارة المادية للأرض ، ولا مجرد الحصول علي المتاع من أي لون ومن أي طريق إنما"الإنسان"خلق لشئ أرفع من ذلك وأسمي .. خلق لحمل"الأمانة"التي اشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال:

{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [سورة الأحزاب 33/72]

وحمل الإمانة لا يتم بمجرد العمارة المادية ولا المتاع الحسي .. إنما يتم بإقامة ذلك كله علي أساس من"القيم".. والقيم الحقيقية هي التي حواها المنهج الرباني للحياة"وقد رأينا من دراستنا السابقة أن كل ما عداها زائف لا يلبث أن تعبث به الأعاصير"ومن ثم كان لابد من توجيه العقل أولا- والكيان الإنسان كله في الحقيقة - للتعرف علي الله والإيمان به وطاعته ، حتي إذا جاء العقل يتعرف علي الكون ، ويعمل علي تسخير طاقاته في عمارة الأرض ، كان مهتديا بالهدي الرباني ، فأقام عمارة الأرض علي أساس المنهج الرباني الذي به وحده تصلح الحياة .

وقد مر بنا في هذا الفصل وما قبله كيف صارت الأرض حين قامت عمارتها المادية علي"قيم"أخري غير القيم التي قررها الله وأمر بإقامتها في الأرض ، وحاضر الجاهلية المعاصرة غني عن الإشارة وغني عن التعليق .

فتوجيه العقل - في الإسلام - إلي التعرف علي السنن الكونية من أجل عمارة الأرض بعد توجيهه إلي الإيمان بالله ، وهو المنهج الصحيح لتنشئة"الإنسان الصالح"الذي تسعي البشرية - نظريا - إلي تنشئة ، ولكنها تخفق دائما حين تتنكب المنهج الرباني ، وتنشئ من عندها مناهج تؤدي إلي البوار .

وإن كان لن من شئ نذكر به أو نعيد التذكير به في هذا المجال ، فهو أن الأمة المسلمة -ب توجيه الإسلام -0 هي التي أنشأت المنهج التجريبي في البحث العلمي ، الذي قامت عليه كل نهضة أوروبا العلمية فيما بعد ، ولكنها تفردت في التاريخ بأنها هي التي أنشأت حضارة"إنسانية"حقيقية ، تمثل"الإنسان"كل لا جانبا واحد من جوانبه ، وتمثله متوازنا كما ينبغي للإنسان ، لا العمل في الدنيا يشغله عن الآخرة ، ولا المتاع الحسي يشغله عن المتاع الروحي المتمثل في العبادة ، وفي الجهاد لإقامة الحق والعدل في الأرض ، ولا رؤية الأسباب الظاهرة تفتنة عن السبب الحقيقي ، ولا العلم يفتنه عن الدين .. إلي آخر تلك الانحرافات التي وقعت فيها الجاهلية الأوروبية حين رفضت الهدي الرباني وجعلت"عقلها"يرسم لها الطريق !

ثالثا: يوجه العقل في الإسلام إلي تدبر حكمة التشريع لإحسان تطبيقه ، ومن أجل الاجتهاد فيما أذن الله فيها بالاجتهاد ، وحقيقة إن هذا في الإسلام فرض كفاية لا فرض عين ، لأنه لا يتيسر لكل الناس - وإن كانوا مؤمنين - إن يتفقهوا في أحكام الدين ـ، إنما الفقهاء لهم استعداد خاص ، ويحتاجون إلي دربة خاصة لا تتاح لكل إنسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت