فهرس الكتاب

الصفحة 22526 من 27364

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]

فحين تسكت الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصبيها الفتنة ولا تصيب الذين ظلموا وحدهم ، ولكن تصيب المجموع كله لتقصيرة في مقوم أصيل من مقومات الحياة الاجتماعية والسياسية

ولا تقتصر"التوعية"السياسية علي قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إنما تتعداها إلي التوعية بالدور التاريخي والإنساني لهذه الأمة:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة 2/143]

والتوعية بأعداء هذه الأمة ، ومخططاتهم ضدها ، وأهدافهم من هذه المخططات ، وواجبهما إزاءهم ، وطريقة التعامل معهم في السلم والحرب ، وقضية الولاء ومع من يكون ، وما حدوده وطبيعته .. إلخ .. مما لامجال لتفصيلة هنا ، فله مباحثه الخاصة ، وإنما نتحدث هنا عن دور"العقل"في كل ذلك .. ودوره هو تدبر السنن الربانية التي يتحصل منها الوعي الاجتماعي والوعي السياسي ، وهو أمر واجب في الإسلام ليتم تنفيذ المنهج الرباني علي وجه الصحيح .

خامسا: يوجه العقل إلي دراسة التاريخ

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [سورة آل 3/137]

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ (1) وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [سورة الروم 30/9]

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [سورة الحج 22/46]

وواضح أن دراسة التاريخ المطلوب هي للعبرة لا للتسلية وتزجية الفراغ ! ولكن ينبغي أن نعرف موطن العبرة من دراسة التاريخ

أن السنن الربانية التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة ، والتي يجري قدر الله بمقتضاها في حياة البشرية ،والتي قلنا إن العقل البشري مدعو إلي تدبرها والتفكر فيا من أجل إقامة المجتمع الصالح القائم علي المنهج الرباني .. هذه السنن - بطبيعتها - نادرا ما تتحقق بتمامها في داخل عمر الفرد المحدود ، لأن السنن الاجتماعية بطبيعتها تستغرق اجيالا متوالية حتي يتم التحول الاجتماعي سواء إلي الخير أو إلي الشر ( فيما عدا القلة النادرة التي تقتضي حكمة الله فيها تحقيق سنة بكاملها في أمد قصير ، تأييد لنبي أو تمكينا لجماعة مؤمنة ، كما حدث مع الرسول صلي الله عليهم وسلم وبناء هذه الأمة الشامخة في سنوات قصار )

وأنظر مثلا إلي هذه السنة:

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [سورة الأنعام 6/44]

فالجزء الأول من هذه السنة يمثل الواقع الأوروبي في وقته الحاضر .. نسوا ما ذكروا به ، وكفروا وجحدوا ، ففتح الله عليهم أبواب كل شئ ، من قوة سياسية وقوة عسكرية وقوة علمية وقوة تكنولوجية وقوة اقتصادية .. وكل ما يمكن أن يدخل في"أبواب كل شئ"وهذا الجزء وحده من هذه السنة قد استغرق قرنين كاملين من الزمان ، ولد فيه أفراد - بل أجيال - قضوا أعمارهم في هذه الحياة ورحلوا ، ولما تتحقق بقية السنة المذكورة في الآية ،"حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون"! بل توهم أناس في وقت من الأوقات أن هذه الأبواب المفتوحة ستظل مفتوحة إلي الآبد لا تغلق ولا تتهدم علي أصحابها مهما ارتكبوا من آثام !

واليوم بدا مفكرو الغرب أنفسهم يدركون أن"حضارتهم"آيلة إلي الانهيار .. وبدأو ينذرون قومهم إذا استمروا في البعد عن"القيم الروحية"كما يسمونها (2)

أن يصيبهم الدمار الذي أصاب أمما من قبلهم .. ولكن كم يستغرق ذلك من الزمان ؟ جيلا أو اجيالا كما استغرق تحقيق الجزء الأول من سنة الله !

لذلك يوجه الله"العقل"أن تتدبر التاريخ ! فالتاريخ هو المجال الواسع الذي تتحقق فيه السنن الربانية بأكملها ، سواء منها ما يتحقق في عمر الفرد وما يتحقق في عمر الأجيال . والأغلب هو الأخير !

(1) أي بالتدمير عليهم لتكذيبهم.

(2) لانهم ما زالوا في جاهليتهم يكوهرون أن يذكروا الذين باسمه الصريح !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت