فهرس الكتاب
تدبر التاريخ إذن هو في الواقع تدبر السنن الربانية في واقعها التاريخي الذي يمتد خلال القرون ، ورؤية الطريقة الواقعية التي تتحقق بها تلك السنن في حياة الأمم والأفراد ، لتتحقق العبرة الكاملة في نفوس الناس ، فيسايروا هذه السنن ولا يصادموها ، ولا يقول قائل لنفسه - علي سبيل المثال - ها أنذا قد عشت في المجتمع الفاسد عمري كله وشاركته الفساد فلا أنا أصابني الدمار ولا المجتمع الذي عشت فيه ! ولا يقول قائل لنفسه لماذا أجهد نفس في تقويم المجتمع من انحرافه الخلقي أو الفكري أو الروحي .. ما دام هذا المجتمع يملك القوة العسكرية والقوة السياسية والقوة الاقتصادية التي تستند وتنعه من الدمار ! ولا يقول قائل لنفسه: ما قيمة"القيم"؟ وما فائدة"الدين"؟ وما معني"الأخلاق"؟ إذا كان يمكن للمجتمع أن يعيش متماسكا قويا بغير ذلك كله عدة قرون ؟
تلك عبرة دراسة التاريخ ..
إن التاريخ لا يدرس - من وجهة النظر الإسلامية - لتسجيل انتصارات الجيوش وانكساراتها ، ونشاة الدولة وزوالها مجردة عن القيم المصاحبة لها ، وعن مجري السنن الربانية فيها ، إنما يدرس بادئ ذي بدء لتتبع حياة"الإنسان"في حالتيه: حالة الهدي وحالة الضلال ، وما يجري خلال كل من الحاليتين من أحداث ، ونتائج تترتب علي الأحداث ، مضبوطة بالمعيار الذي لا يخطئ ، معيار السنة الربانية الحتمية التحقيق .
و"الإنسان"ابتداء هو ذلك المخلوق الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، لا"الحيوان"الذي ابتدعه دارون ، ولا"المادة"التي زعمها التفسير المادي للتاريخ .. ومقياس علوه وهبوطه ليس هو الانتاج المادي والعمارة المادية للأرض:
{كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا} [سورة الروم 30/9]
ولكنهم كانوا جاهلين ، لأنهم رفضوا الهدي الرباني ، وأصابهم في النهاية ما يصيب الجاهلية من الدمار ، علي الرغم من كل القوة التي يملكونها ، ومن إثارة الأرض وعمارتها .
إنما مقايس علو"الانسان"او هبوطه هو مقياس"الإنسانية".. مقياس التزامه بالهدي الرباني الذي يحقق - وحده - إنسانية الإنسان ، والتزامه بمقتضيات الخلافة الراشدة ، أي عمارة الأرض بمقتضي المنهج الرباني لا بأي منهج سواه .
وحين يتحقق هذه الوعي التاريخي - لا في صورة فلسفية ذهنية تجريدية - ولكن في صورة وعي حركي واقعي ، يكون هذا عونا كبيرا للإنسان الراشد ، يوجه إلي السلوك الناضج المستقيم ، الذي يتحقق به الوجود الأعلي للإنسان .
تلك عقلانية الإسلام .. عقلانية سليمة ناضجة تمثل الرشد البشري في أعلي حالاته
عقلانية تعطي العقل مكانة اللائق به ، بلا إفراط ولا تفريط .. فلا هي تغالي في تقدير قيمة العقل فتقحمه فيما ليس من شئونه أو تجعله المرجع الأخير لكل شئ حتي الوحي الرباني ، ولا هي تبخسه قدرة فتمنعه من مزاولة نشاطه في ميادينه الطبيعية التي يصلح لها ويحسن العمل فيها .
عقلانية تكل إلي العقل مهام خطيرة وواسعة .. تكل إليها مهمة حراسة الوحي الذي تكفل بحفظه الله" (1) من كل تأويل فاسد مضل ، وحراسة أحكام الله من الانحراف بها عن"مقاصد الشريعة"وحراسة المجتمع في الآفات الاجتماعية والسياسية والفكرية والخلقية التي تؤدي إلي تدميره .. كما تكل إليه مهمة التقدم العلمي والبحث التجريبي وعمارة الأرض ."
ولكنها لا تكل إليه - ولا تسمح له - إن يحيد عن الوحي الرباني والمنهج الرباني ، ولا أن يجتهد من عنده ما لم يأذن به الله ، لأنه عندئذ بجانب الصواب ، ويحيد عن الخير ، ويمكن للفساد:
وتلك هي العقلانية المتوازنة .. أين منها عقلانية الإغريق الغابرة ، والعقلانية التجريبية التي يمارسها الغرب في جاهلية القرن التاسع عشر والقرن العشرين !