فهرس الكتاب
هذه المشهد الأليم يفرض قراءته وتأمله, ومن ثم تحليل الفروض الداخلية لهذا الخطاب التي قادته إلى هذه المآلات الموحشة, بهدف إرضاء الله سبحانه وتعالى, وتواصياً بالحق مع كثير من متابعي هذا الاتجاه, وتعزيزاً للثقة الدعوية في الأوساط التربوية والعلمية للاتجاه الإسلامي أمام سلاطة هذا الخطاب وتجريحه المستمر ودعايته المضادة, ونشاطه في التعبئة الإعلامية وتأليب المؤسسات الأمنية ضد العمل الدعوي والتربوي الإسلامي.
والواقع أن هذا الخطاب المدني الجديد يصفه بعض مراقبيه بتصنيفات لايرضاها منتجوا هذا الخطاب ويعدونها"شتيمة خصوم"أكثر من كونها"تصنيفاً إجرائياً"لذلك آثرنا أن نقفز هذه التصنيفات, ونتعرف إلى هذا الخطاب من خلال معجم مفاهيمه المحورية التي تشكل نسيجه الخاص, كمفهوم الحضارة والانفتاح والآخر والتسامح والنسبية والاستنارة والنهضة والمواطنة والأنسنة ونبذ الأدلجة والإقصاء والوصاية والتسييس والدوغمائية والراديكالية... الخ
حيث تحولت هذه المفاهيم من أدوات دلالية محضة إلى"لافتات فكرية"تدفع باتجاهٍ مشترَك ذي قسمات خاصة, حيث تم شحنها بدلالات جديدة ضمن سياق سجالنا المحلي بحيث صارت تحمل مضموناً مذهبياً مترابطاً أكثر من كونها مجرد تقنيات تفسيرية حرة.
ولم نتجاوز تلك التصنيفات إلا بهدف تحاشي اللبس وسوء الفهم, إذ غرضنا هاهنا الاجتهاد في تقديم مناقشة علمية مختصرة للشبكة المفاهيمية التي تغذي هذا الخطاب وتمده بمنظوره الخاص, وليس هدف هذه الورقة النقدية -يعلم الله ذلك- التجريح والإيذاء, أو إسقاط شخصيات بعينها, او الانحياز لجبهة ما, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتجرد ويعيننا على تجنب الهوى والتحامل.
ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف.
وقد قسمت هذه الورقة إلى جزئين, أولهما: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بأصول الوحي, والجزء الثاني: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بالفكر الحديث, فهذا هو الجزء الأول منهما وسيتبعه باذن الله الجزء الثاني, ونبتدئ الجزء الأول بعرض موجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة, وهذا هو أوان الشروع في المقصود.
قسمات الانقلاب المعياري:
آل الخطاب المدني -ضمن ديناميكية تطوراته المؤلمة التي أشرنا اليها- إلى حالة انقلاب معياري، حتى بتنا اليوم وكأننا نشهد"إعادة تقييم"جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في"جدول القيم"لانستطيع أن نغض أبصارنا عنه أو أن نتجاهله, حتى أصبح"هرم الأولويات"يقف مقلوباً على رأسه!
لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة... بما يعني أن إبرة البوصلة الفكرية قد فقدت قوتها المغناطيسية السابقة تماماً, وكأن دخان سبتمبر قد مد ذراعه إلينا وقلب ساعة الرمل ليعيد دبيبنا إلى الوراء.
لقد تم إنزال التراث من كابينة القيادة إلى قفص الاتهام! فبعد أن كانت هذه الشريحة الشبابية تنظر إلى"التراث الإسلامي"باعتباره النموذج المشع الذي تستلهم منه المثل والقيم وينتصب أمامه المرء بسكينة الانتماء أصبح بعض هؤلاء الشباب ينظرون إلى التراث باعتباره ألبوم التصرفات البدائية المخجلة الذي لايجب أن يفتح إلا مع ابتسامة اعتذار, مع استخفاف عميق بمواقف رجالاته وأعلامه.
وفي أحسن الأحوال أصبح لايقبل من التراث الإسلامي الضخم أي دور إلا أن يزودنا بالأسانيد والحيثيات التي تؤكد نتائج"عصر الأنوار"ليس إلا!
ولذلك يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة"نصوص الوحي"ونصوص"التراث الإسلامي"قراءة مدنية, بمعنى قراءة"موجهة"تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم"المدنية"ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة"صادقة"تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!
بمعنى آخر: تحويل الوحي من"حاكم على الحضارة"إلى مجرد"محام عن منتجاتها"يبررها ويرافع عنها ولايقبل منه دور غير ذلك! وليس يخفى أن الحكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.