فهرس الكتاب
والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ماهي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم اذا كان قصارى مانقوله للغرب هو أن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الاقوال الفقهية لدينا, أويحتمل أن تدل عليها بعض الادلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.
كما قفزت صورة الغرب من شارع الانحطاط إلى منصة الأستاذ القديس الذي لايراجع فيما يقول, وإذا لم نقتنع بما يقوله فذلك لعيب في فهمنا نحن لا لعيب فيه هو لا سمح الله!
وبعد أن كان بعض هؤلاء الشباب يتشرفون بالانتماء للاتجاه الإسلامي ويبرزونه كهوية شخصية في الحياة العامة، أصبح بعضهم ينظر إليه باعتباره عبئاً على المجتمع ليس يبهجهم كثيراً تناميه وتغلغله الاجتماعي!
النماذج التفسيرية للظاهرة:
لازال العاملون للإسلام تتقوس حواجب تساؤلاتهم المندهشة أمام هذه الكارثة الفكرية, ويتساءلون بإلحاح مالذي حدث بالضبط ياترى؟
والحقيقة أن كل خطاب فكري ينطلق من"فروض أساسية"تنبثق عنها التطبيقات و تتحاكم إليها الإشكاليات, سواءً سميت بفروض أساسية أو قيمة مركزية أو"باراديجم"أو"إبستيما"أو غيرها من الاصطلاحات الانثروبولوجية, والتي يعبر عنها في العلوم الشرعية بمصطلح"الأصل"أو"الكلي", ومنه قولهم"أصول المذهب الفلاني"أي أسسه الضمنية التي تتفرع عنها ماصدقاته.
وقد أشار الإمام ابن تيمية في ملاحظة مبدعة إلى دور استكشاف الكليات والأصول في الاستيعاب والاطمئنان العلمي كما يقول رحمه الله: (فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها.., من أعظم العلوم نفعاً, إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة) .
والواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو"الانبهار بالغرب", والواقع ان الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.
وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو"العقلانية"، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في"مصادر المعرفة"بحيث تقدم ما دل عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل وتارة مع النص وتارة مع الذوق الشخصي وتارة مع المألوف وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة, وأعتقد أن تكوين"منظومة عقلانية متماسكة"أكبر بكثير من قدرات هذه الظاهرة وكتابها أساساً.
وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة"المعتزلة"، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور, وناضلت الفلسفة الإغريقية بنفس أدواتها, ووصفهم كثيراً من المحققين في علم الفرق بأنهم أصحاب إرادات أي أصحاب نسك وعبادة, وكان لديهم نتاج عقلاني منظم. وإنما سبب زيغهم غلوهم في التنقير بالعقول في الغيبيات وتقديمها على مضامين المرويات, حتى نتجت عن ذلك أصولهم الخمسة المعروفة, لا لأنهم أعرضوا عن الشرائع وانبهروا بأمة من أمم الكفر. فالمعتزلة مدرسة غلو لامدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.
في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي"المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته"غائية الحضارة"و"مركزية المدنية".