فهرس الكتاب
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً!}
إمكانياتهم المادية طاشت بهم فوق طواويس الغرور, فألقو رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء الله بكل بجاحة, وقالوا مستهترين:
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ , هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:35-36]
وكانت"الطبقة المترفة"في قوم عاد -كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي, كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:
{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون:33]
ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوعاً إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية.
فقد تمتعت ثمود أيضاً بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد, وأوغلوا هم أيضاً في فنون النحت والعمارة, وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم, وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:
{وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ, وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا, وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74]
وقال تعالى في سورة الشعراء واصفاً رفاههم ونحتهم:
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ, فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ, وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ, وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:146-149]
وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقراراً أمنياً كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:
{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر:82]
وقال تعالى مشيراً إلى عمارتهم للدنيا:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]
فغرتهم إمكانياتهم المادية, وتفوقهم المدني على مجايليهم, ونظروا بمعيار المظاهر, فجحدوا الوحي الذي أتى به نبي الله صالح عليه السلام, واستنكروا أصلاً أن يختص من لم يتميز بمظهر مادي بالوحي والنبوة, كما قال تعالى في سورة القمر:
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ, فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ, أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر:23-25]
ولكن.. وكما هي السنة الكونية وقانون التاريخ, فقد كان المتبنون لمضايقة نبي الله صالح هم الكبراء وأصحاب المظاهر المادية, وكان أنصاره ضعفاء الناس, كما ينقل الله لنا هذا الحوار في سورة الأعراف:
{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ, قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف:75-76]
وبمناسبة الحديث عن الامكانيات المادية لعاد وثمود أتذكر ملاحظة مبدعة لعلامة التأريخ"ابن خلدون"ذكرها في مقدمته حيث يقول:
(مباني الدولة وهياكلها العظيمة إنما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها، لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الأيدي على العمل والتعاون فيه, فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب, كثيرة الممالك والرعايا، كان الفعلة كثيرين جداً, وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها، فتم العمل على أعظم هياكله, ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود, وما قصه القرآن عنهما, وانظر بالمشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس, حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه، وشرع فيه ثم أدركه العجز، فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه, مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة)
على أية حال.. ما إن نعق غراب الجزيرة العربية فوق خرائب عاد وثمود بكل مظاهر قوتيهما, إلا وكان نبي الله موسى بين أهرام مصر يواجه هذه المرة"الحضارة الفرعونية"بكامل وزنها التاريخي وإمكانياتها الإمبراطورية, ليتكرر من جديد مسلسل طغيان القوة المدنية وغرورها أمام الوحي.
تربع فرعون فوق"المكتب البيضاوي"لإدارة العالم كما صور ذلك الداخل الملكي بقوله تعالى في سورة غافر:
{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} [غافر:29]
وتباهى فرعون عالياً بإمكانياته السياسية كما قال تعالى عنه في سورة الزخرف:
{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف:51]