فهرس الكتاب

الصفحة 22637 من 27364

ولاينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس, وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي تلك المقاييس المادية المركوزة في النفوس البشرية, فيعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحدٍّ يواجه الدعوات كما في قوله تعالى:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس:88]

وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية, بل أرسله لينورهم بالوحي من ظلمات حضارتهم, كما قال تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [إبراهيم:5]

بل إن الله سبحانه وتعالى -طبقاً لميزانه سبحانه- فضل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة, كما قال تعالى:

{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلنهم على العالمين} [الجاثية:16]

فاذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب, وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات, استبان له"الميزان الإلهي"لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات, وميزان المسلم تبع لميزان الله جل وعلا.

ولم يكن الحال جديداً بالنسبة لنبينا صلى الله عليه وسلم فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي, وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاه كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز, ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف:

{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]

يعنون بالرجلين الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.

وبكل صراحة ووضوح واجهوه بأنه لا يملك"ثروة مادية"يستحق بها أن يتبعوه كما ساق تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم:

{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ , أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]

وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لايعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى:

{تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]

ولكن الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ينبه نبيه ويحذره أن لا يفتتن بتعلقهم بالماديات, ويعيد تذكير نبيه بالقانون التاريخي للدعوات وهو الصراع بين الوحي والمادة, وتحدي الإيمان للمظاهر المدنية, كما قال سبحانه في سورة هود:

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود:12]

بل ولقن الله سبحانه نبيه محمداً أن يقول لقريش بكل صراحة ووضوح أنه لايملك القوة المادية والكنوز والخزائن التي هي معيارهم ومقياسهم, وإنما هو داعية إلى الوحي, كما قال تعالى لنبيه:

{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ, وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ, وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50]

فانظر كيف فتنوا عن اتباع النبي بكونه لايملك مظاهر مادية يستحق بها الخضوع, بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو أن يكون هذا هو جوهر الاختبار الإلهي لهم وهو الانخلاع من التعلق بالماديات والانصياع للوحي, ولذلك نبه الله نبيه ألا يضيق صدره ببعض الوحي نتيجة كونه لا يملك المظاهر المادية التي هي معيارهم في الانقياد, وأن الله سبحانه لن يجيبهم إلى ما طلبوا فيما وضعوه من مقاييس مادية للاتباع, فإما أن يختاروا طريق الوحي أو طريق المادة!

والحقيقة أن صلى الله عليه وسلم لو كان يتربع على عرش القوة والإمكانيات لما تخلف من خصومه أحد, لا للحق الأخروي الذي معه ولكن للقوة الدنيوية التي بيديه, وأي معنى لاختبار وامتحان وابتلاء في اتباع القوي المسيطر؟

ولذلك لما كان نبي الله سليمان عليه السلام"ملكاً"في الأرض بيده كل أدوات النفوذ لم يتخلف عن الإيمان به أحد لا من الجن ولا من الانس بل كانوا طوع إشارته وأمره, ولذلك لما تلكأت بلقيس ملكة سبأ في الخضوع وأرادت أن تصانعه بالهدايا الضخمة في قولها:

{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]

هددها نبي الله سليمان بتسيير ألوية الجيوش الجرارة كما يقول عليه السلام:

{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا} [النمل:37]

فجاءته وقد خلبتها الدهشة من روعة المنشآت الزجاجية التي رأتها فاستسلمت لنبي الله كما يحكي الله سبحانه وتعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت