فهرس الكتاب

الصفحة 22638 من 27364

{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]

هذا القانون التاريخي للرسالات السماوية -وهو افتتان الناس بالمظاهر المادية لخصوم الرسل- يعرفه كل من شدا طرفاً من"تاريخ النبوات", فدعاة الوحي غالباً في ضعف مادي وليس في صفهم إلا ضعفاء الناس, بينما اللامعون والكبراء وأصحاب النفوذ يضايقونهم.

ولذلك لما كان هرقل مطلعاً على"تاريخ النبوات"سأل سؤالاً ذا دلالة بليغة وعقب عليه بتعليق أذكى وأدهى, فكما في الصحيحين أن هرقل قال لأبي سفيان:

(وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه, وهم أتباع الرسل)

دلالة جدلية المدنية/الخيرية:

القارئ للتاريخ الإسلامي المبكر يلاحظ أن"البعد المدني"بدأ في التصاعد حتى بلغ ذروته في أواسط تاريخ الإسلام, فعصر صلى الله عليه وسلم كان عصراً يتميز بالبساطة والمحدودية المدنية, وقد كان صلى الله عليه وسلم يقلق على أصحابه أن يكون فارق الإمكانيات المادية بين المجتمع المسلم والكافر مثار شبهة على إيمانهم, وفي تلك القصة التي نقلها عمر بن الخطاب عن الأثاث الداخلي لبيت صلى الله عليه وسلم وموقف عمر منه ورد فعل صلى الله عليه وسلم تجاه ذلك دلالات بليغة في رسم المشهد, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال:

(رفعت رأسي في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: « أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » )

وما إن انتهى عصر النبوة وبدأ عصر الخلافة الراشدة إلا وفتحت الفتوح ومصرت الأمصار وانهالت الأموال وازداد تنظيم الدولة الإسلامية واستحداث الأجهزة الادارية كالدواوين والعشور والعطاء ونحوها.

وبعد عصر الخلافة الراشدة وتدشين الملك الأموي والملك العباسي انفجرت المعارف والعلوم العقلية والفلسفية والتجريبية, وازدهرت حركة الترجمة وبنيت لها المعاهد المتخصصة, وتنافست المؤسسات السياسية في اقتناء الكتب وعقد مجالس العلوم والمناظرات وتقريب المبدعين, وصنفت الموسوعات الكبرى في شتى الفنون والتي لا زالت مرجعاً إلى اليوم.

وهكذا فإن القارئ لتاريخ الإسلام المبكر يلاحظ كيف كان التقدم المدني يزداد مع تقدم التاريخ, فالملك العباسي أكثر تمدناً مادياً من الملك الأموي, والملك الأموي أكثر تمدناً مادياً من عصر الخلافة الراشدة, وعصر الخلافة الراشدة أكثر تمدناً مادياً من عصر النبوة.

فإذا جئنا نقارن هذه الصورة المتنامية في قيمتها المدنية -بحسب الواقع التاريخي- بالقيمة الدينية -بحسب الميزان الشرعي- وجدنا أن هذه المعادلة التاريخية بعكس الميزان الشرعي تماماً, فهناك تناقض جدلي بين معدل المدنية ومعدل الخيرية, فبينما الخط البياني لمنسوب المدنية يتصاعد فإن الخط البياني لمنسوب الخيرية يتناقص.

وتراجع الخيرية كمعطى يدخل في"محكمات الشريعة"حيث ثبت عن صلى الله عليه وسلم ثبوتاً قطعياً لايتطرق اليه الظن وليس من مسائل الاجتهاد, فقد ذكر غير وحد من أئمة المتخصصين في فن الحديث -كابن حجر والسيوطي وغيرهم- أن حديث"خير الناس قرني"حديث متواتر, حيث رواه عن صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر صحابياً وتناقله عن كل منهم جمع, وقد نص على ذلك المتأخرون الذين أفردوا أعيان الأحاديث المتواترة بتصنيف خاص, وقد خرج جملة من مرويات هذا الحديث البخاري ومسلم, بل أصول دواوين السنة كلها قد خرجت طرفاً من هذه الأحاديث, ومن ذلك مارواه الشيخان أن صلى الله عليه وسلم قال:

« خيرُ أُمتي القرنُ الذي بعثتُ فيه، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم »

وفي الصحيح أيضاً عن عائشة قالت: سأل رجل النبيَّ: أيُّ الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم

« القرنُ الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث »

وهذا المعنى الدال على تراجع الخيرية في تلك المرحلة التاريخية ليس متوقفاً أصلاً على هذا الحديث المتواتر, بل هو قدر مشترك بين شواهد شرعية كثيرة ومستفيضة, كما روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً) .

ومن ذلك أيضاً ماروى مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت