فهرس الكتاب
صلينا المغرب مع رسول الله ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء, قال: فجلسنا فخرج علينا فقال (ما زلتم هاهنا؟) قلنا: يارسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء, قال: (أحسنتم أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)
فجعل صلى الله عليه وسلم لحظة وجوده صمام أمان للمجتمع ينقص المجتمع بفقده, وجعل الصحابة من بعده صمام أمان للتابعين فإذا ذهب الصحابة نقص المجتمع بفقدهم, وشبه ذلك كله بكون بقاء النجوم أمان للسماء فإذا انكدرت النجوم كما يكون ذلك في الانقلابات الكونية الكبرى التي تسبق القيامة فإن السماء تكون قد انفطرت وانشقت كما جاء في سورة التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها.
وقد كشف صلى الله عليه وسلم الأثر الذي تورثه هذه القرون المفضلة في البركة والنصر والظفر على حسب فضلها, كما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وجابر وغيرهم أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:
(يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول ا صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيفتح لهم به)
ولولا أن لتلك القرون مزيةً وفضلاً في نفسها لما كان مجرد الانتساب إليها سبباً في البركة وتحقيق النصر.
والشاهد من ذلك كله أن البرهان التاريخي قد أثبت لنا أن المدنية تتصاعد, والبرهان الشرعي قد أثبت لنا أن الخيرية تتناقص, وهذه المعادلة الدقيقة من أعظم البراهين على أن الحضارة والمدنية المادية ليست هي المقياس الإلهي لقيمة المجتمعات والأمم, إذ لو كانت الحضارة -بمعناها الشائع- هي المقصد الأساسي للشريعة لكان العصر العباسي الذي ازدهرت فيه العلوم العقلية والتجريبية أفضل من عصر الصحابة, ولكان عصر الصحابة الذي توسعت فيه الدولة ونظمها خير من عصر النبوة التي كانت فيها حياة محمد وخاصةِ أصحابِه قوتاً كفافاً.
وبعض غلاة المدنية يصرح ويقول: بأن عصر المأمون العباسي أرقى وأفضل من عصر أبي بكر الذي تم فيه الاستيلاء على السلطة في حادثة السقيفة, وهذا التفضيل المصادم للوحي انعكاس للمغالاة في قيمة الحضارة المادية والزهد في مضامين العلوم الالهية, وهو مما يؤكد أن"الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي"كما سبقت الاشارة.
يهمنا التذكير هاهنا بأن هذه المعادلة التي أشرنا إليها لا نعني أنها قانون كوني مطرد, بمعنى أنه ليس كل تطور مدني ينبني عليه تراجع شرعي, بل هي واقعة عين تاريخية أردنا استكشاف دلالاتها, والدرس الجوهري فيها بالنسبة لنا هو أنه طبقاً لتصوراتنا الإسلامية الخاصة فإن الخيرية مرتبطة بالجوهر الإيماني والأخلاقي, وليس المظاهر المدنية والمادية.
التعلق بآية العمارة والاستخلاف:
بعض غلاة المدنية حين يتحدثون عن أولوية المدنية والحضارة المادية يستدلون كثيراً بآيتي العمارة والاستخلاف, ويعولون عليهما كثيراً في تأسيس رؤيتهم, فيستدلون بقوله تعالى:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]
وبعضهم يستدل بقوله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]
والواقع أن الخلل في هذا الاستدلال ناشئ عن تغييب عدة معطيات, منها:
1.أن معنى قوله تعالى في الآية"واستعمركم فيها"أي جعلكم عُمَّاراً في الأرض, فمعنى العمارة هاهنا لم يأت على أساس كونه مطلب شرعي, بل غاية ما فيه أنه جاء على أساس كونه نعمة كونية تستحق مقابلتها بالعبودية, وهذا معنى ظاهر في الآية لا يحتاج إلى كبير عناء لفهمه, فقد جاء في سياق الامتنان لا في سياق الحث والطلب, فنبيهم يأمرهم بالتوحيد مذكراً لهم بأن الله تعالى خلقهم من هذه الأرض وجعلهم يعمرونها, فأين هذا المعنى من كل ما بنى عليه غلاة المدنية من الدلالات والتهويلات.
ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى"واستعمركم فيها"إنما وردت في قوم ثمود في مدائن الحجر بين تبوك والمدينة, وقوم ثمود لم يقصروا أصلاً في العمارة المادية, ومع ذلك عاقبهم الله بكارثة مرعبة قص الله خبرها في كتابه.
2.أنه على التسليم بأن العمارة في الآية السابقة جاءت بمعنى الطلب, فإن العمارة في كتاب الله نوعان: عمارة إيمانية وعمارة مادية, وكلاهما مطلوبان, ولكن أشرف هذين النوعين -بل هو الذي جاء مصرحاً بطلبه- إنما هو عمارة الأرض بالإيمان, كما قال تعالى: