فهرس الكتاب

الصفحة 22676 من 27364

فبالله عليك تأمل كيف يقول ذلك لهم, وينبههم إلى التفاتهم إلى الدنيا, وهم في حالة قد جمعوا فيها بين مشهد التضحية ومقام الصحبة.

وقال لهم حين مالت نفوسهم للسلم والفداء:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال:67]

وقال لهم حين استثقل بعضهم مشقة الجهاد:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة:38]

وقال لهم حين انتهوا من نسكهم وأخذوا يدعون الله ويلجأون اليه:

{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة:200]

فإذا كان"تعظيم الدنيا"غريزة مركوزة في النفس البشرية, وإذا كانت أزكى النفوس البشرية ومن تلقت التربية النبوية لم تسلم من التفات القلب إلى الدنيا واحتجاب حظ الآخرة في بعض المواطن, بل وهي في أعظم المواطن كالجهاد والحج, فكيف يقول غلاة المدنية أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم وزهدوا في دنياهم حتى تخلفوا؟

ثم إنه لو صح أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم -كما يقوله بعض غلاة المدنية- فإن نتيجة ذلك ليس ضياع الدنيا, بل النصر والتمكين وانهمار بركات الموارد الطبيعية, وهذا المعنى الغيبي لا يستوعبه العقل المادي, وإنما يعقله قلب المؤمن الذي امتلأ يقيناً بصدق الوعود الربانية, ومن قال بخلاف ذلك فقد عارض محكمات الوحي, وسيأتي الإشارة إلى شواهد ذلك.

تأجيل نتائج الاستقامة:

يحاول كثير من غلاة المدنية أن يجعلوا المأمورات والمنهيات الشرعية مرتبطة بالجنة والسلامة من النار فقط, ولا علاقة لها بسعادتنا وظفرنا وسلامتنا الدنيوية, فالدين لبناء الآخرة والمدنية لبناء الدنيا, أو كما يقول بعضهم: الدين شرط للنجاة الأخروية لا للنجاح الدنيوي, ولذلك يشعر بعضهم أن المجتمع الغربي ليس بحاجة فعلية إلى الإسلام لإصلاح دنياه, وإنما يحتاج الإسلام فقط لينجو من النار, وتبعاً لذلك يعبر بعضهم عن المجتمع الغربي بأنه الإسلام بلا مسلمين.

والواقع أن هذا جهل مؤلم بمضامين الوحي ودلالاته على الآثار الدنيوية للالتزام الديني, فقد دلت محكمات الوحي على خمسة آثار دنيوية للاستقامة الدينية وهي:

التمكين السياسي في الأرض, واستقرار الأمن في البلاد, والرخاء الاقتصادي, والطمأنينة النفسية, والسلامة من كوارث الغضب الإلهي.

فكيف يقال بعد ذلك أن الدين لبناء الآخرة فقط والمدنية لبناء الدنيا, أو أن المجتمع الغربي لا يحتاج الإسلام لإصلاح دنياه؟!

فقد أخبرنا الله خبراً قاطعاً لا يحتمل النسبيات وأشكال التأويل أن"الاستقامة تورث التمكين والأمن"كما قال تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]

وأكد تعالى هذا الوعد الرباني في محكمات كثيرة كقوله تعالى:

{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ} [القصص:5-6]

ومن شدة اهتمام الله بهذا الوعد الرباني أخبرنا عن تتابع الأنبياء والكتب السماوية على تأكيده كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]

وقال تعالى عن وعده لأنبيائه السابقين:

{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات:171 -173]

وربط الله سبحانه وتعالى النصر العسكري على الأعداء بعمارة الآخرة, لا أن عمارتها سبب للهزيمة, كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد:7]

وقال تعالى:

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج:40]

وقال تعالى:

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر:5]

وقال تعالى:

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}

والمنطوق المصرح به في مثل هذه الآيات أن من نصر الله نصره الله, أما المفهوم الذي تضمنته فهو أن من لم ينصر الله فإن الله سيخذله, وهذا المفهوم ليس مجرد استنباط بل هو منصوص في محكمات أخرى, كقوله تعالى:

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] .

وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت