فهرس الكتاب
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}
وقوله تعالى:
{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}
فحين يقرأ المؤمن هذه المحكمات وكيف يثنيها الله سبحانه وتعالى مرة بعد أخرى فإنه يشعر بالأسى والألم وهو يسمع بعض الشباب المسلم يردد أن المسلمين عمروا آخرتهم وأهملوا دنياهم.
كما دلت شواهد الوحي الكثيرة على أن الاستقامة الدينية تخلق الرخاء الاقتصادي وازدهار الموارد الطبيعية, كما في قوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}
وأيقظ الله العقل المادي ونبهه على أن الاستقامة تورث الرزق بطريق لا يتنبه له المرء ولا يمكن حسابه بالحسابات المادية المحضة فقال تعالى في لفتة دقيقة:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}
وهذا شأن عام في الأمم السابقة فقد قال تعالى لأهل الكتابين:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}
وقال نوح لقومه:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً, يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً, وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} .
وقال هود لقومه:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ}
فهذه محكمات الوحي الصريح تتابعت على لسان الأنبياء تؤكد أن الاستقامة الدينية من أعظم أسباب الرخاء الاقتصادي وغنى الموارد, وأنا أسوق هذه الآيات، أدرك تماماً أن"العقل المادي"الذي تشبع بالثقافة الغربية الحديثة لايطيق ولا يستوعب هذه الوعود الإلهية, ولا يفكر إلا في الآليات الملموسة, والواجب إزاء ذلك أن لا ننجرف مع هذه العقول وتكوينها المتصادم مع مقتضيات الإيمان, وإنما الواجب أن نسعى قدر المستطاع إلى تنويرها بالوحي ودلالتها إلى تزكية النفوس حتى تستطيع عقولها أن تترقى من ماديتها السطحية فتوقن بوعد الله سبحانه وتعالى, فمن ذا سيكون أصدق وأبر وعداً من الله جل وعلا؟ ولذلك قال تعالى:
{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟}
وقد دلت شواهد الوحي أيضاً على أن الخلل الديني من أهم أسباب الكوارث العظيمة الناشئة عن الغضب الإلهي, وهذه الحقيقة يتبرم بها كثيراً غلاة المدنية ويحاولون تحييدها, ويتضايقون من تفسير الكوارث على أنها عقوبات إلهية, ويحاولون دوماً أن يجعلوا الخلل الديني عقوبته أخروية فقط, أما الدنيا فمربوطة بقوانين طبيعية لا صلة لها بهذه التفسيرات الغيبية, وبعضهم يتجارى به التطرف ويسمي ذلك"تفسيراً ميثولوجياً"أي أسطورياً خرافياً.
والواقع أن هذا التصور يتضمن إهداراً وتضييعاً لأحد الركائز القرآنية في تصور التاريخ, فقد كشف القرآن في محكمات صريحة عن أن الخلل الديني له عقوبتان دنيوية وأخروية وقد ذكر سبحانه نوعي العقوبة كما في قوله تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [آل عمران:56]
وأشار في موضع آخر إلى نوعي العذاب بقوله:
{لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ}
ومن هذه العقوبات الدنيوية الكوارث الطبيعية وغلاء الأسعار وشح الموارد وانفراط الأمن وغيرها كثير كما قال تعالى:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]
ويضرب الله لنا مثلاً عن دور الانحراف الديني في رفع الرغد والأمن كما يقول تعالى:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
فهانحن نرى أن العقوبات الدنيوية إزاء الانحراف الديني ليست تفسيراً ميثولوجياً أو خرافياً, بل هي أحد المكونات الرئيسية لحركة التاريخ في التصور القرآني.
وبعض غلاة المدنية يردد دعوى مفادها أن (المعاجلة بالعقوبة استثناء لا ظاهرة تاريخية) ، والحقيقة أن إهلاك الأمم المتجبرة المعرضة عن الوحي وطاعة الله ورسوله ومعاجلتها بالعقوبة ليس استثناء في مدونة التاريخ, أو حادثة شاذة خارقة للعادة, بل إن المعطيات التاريخية التي يقدمها القرآن تكشف أنه ظاهرة تاريخية فعلية! كما قال تعالى:
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} [ الإسراء: 17]
ويذكر الله الأمم السابقة وكيف شملهم بنوعي العقوبة الدنيوية والأخروية فيقول تعالى: