فهرس الكتاب

الصفحة 22678 من 27364

{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ, فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ}

ثم إن تلك الشعوب السابقة في التاريخ الإنساني كانت تمتلك إمكانيات مدنية وقوة اقتصادية وموارد هائلة ومع ذلك حين سخط الله عليها عاجلها بالعقوبة الدنيوية بسبب ذنوبهم كما قال تعالى:

{أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام:6]

ويسرد القرآن شيئاً من عقوبات الأمم السابقة فيقول:

{فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا, وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ, وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ, وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا}

وانظر إلى مشهد الخراب المروع الذي يصوره القرآن وهو يقول:

{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]

فهذه الرؤية التي يتصورها غلاة المدنية تتضمن أن الإيمان والعمل الصالح والعبودية ليس لها آثار اجتماعية خارجية منفصلة, بل آثارها ذاتية خاصة, وهذا تصور مناقض للمحكمات السابقة, وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى شيء من ذلك فقال في الصفدية:

(فقد علم بالاضطرار من النقل المتواتر, والتجارب المعروفة, أن الأعمال الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا, وأن الأعمال الفاسدة توجب نقيض ذلك, وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش والظلم,كقوم عاد وثمود ولوط وأهل مدين وفرعون, بالعذاب المنفصل والمشاهد, الخارج عن نفوسهم, وأكرم أهل العدل والصلاح بالكرامات الموجودة في المشاهدة, وهذا أمر تقر به جميع الأمم, فكيف يقال إن العبادات والطاعات ليس مقصودها إلا ما يوجد في النفس من صلاح الخُلُق؟)

فإذا كانت الاستقامة الدينية تتعلق بها كل هذه النتائج الدنيوية الحيوية فهل يجوز للمسلم بعد ذلك أن يقول أن المسلمين عمروا آخرتهم وأضاعوا دنياهم, أو أن الدين شرط للنجاة لا النهضة؟

ومما هو شديد الصلة بهذه النظرة أن بعض غلاة المدنية يتحاشون النظر إلى قوة الكفار على أنها نوع من الإملاء والاستدراج الإلهي لهم, ويميلون إلى النظر اليها باعتبارها نتاج طبيعي لدأبهم وتفانيهم يستحقون نتائجه, لا أنهم مستكثرون من أسباب العقاب الإلهي!

والواقع أن من أظهر قوانين التاريخ التي سطرها لنا الوحي"قانون الإملاء والاستدراج الإلهي", فالقوة المادية وتعملق الإمكانيات التي بأيدي الكفار هي نوع من ذلك كما قال سبحانه:

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}

وقال تعالى عمن يكذب بهذا الوحي:

{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ}

وقد قص الله علينا طرفاً من ألوان هذا الإملاء والاستدراج الذي ترتجف له قلوب المؤمنين, فقال تعالى:

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة:55]

بل تأمل في هذا المشهد المخيف حين يخبر تعالى بأنه يزيد للمعرض كل شئ ثم يباغته بالعقوبة, كما قال تعالى:

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}

وقال سبحانه وتعالى:

{فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}

كما أن بعض غلاة المدنية يقول: هؤلاء خطباء المنابر يعدوننا منذ آماد بأن الله سيهلك الكفار وسينصر الإسلام ولم نر شيئاً! بل لا يزال الكفار في تقدم والمسلمون في تراجع, ويذكر الإسلاميون أن البيع مبارك والربا ماحق ولم نر الاقتصاد الغربي الربوي إلا يتعاظم واقتصاداتنا تنهار.

والحقيقة المؤلمة هي أن هذا الوعد بانتصار الإسلام والوعيد بسقوط الكفر ليست قضية فكرية يتبناها الإسلاميون, بل هي وعد ووعيد إلهي, وقد نبه الله سبحانه وتعالى رسله واتباع الرسل إلى أنهم سيواجهون مثل هذا الاعتراض المبطن بالسخرية من وعد الله ووعيده الدنيوي, كما قال تعالى:

{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}

والاستخفاف بوعد الله من شعب النفاق الخطيرة على الإيمان كما قال تعالى:

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا}

ولشدة تأثير هذا الكلام في أتباع الرسل فقد أكد تعالى على وعده فقال:

{فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت