ولا سيما أن وعد الله ووعيده كثيراً ما يتحقق في اللحظات الحرجة أو في المشهد الأخير حين يستكمل الله سبحانه وتعالى سنة الابتلاء والتمحيص ويمر المؤمن بساعات الشدة كما قال تعالى:
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}
ونبه سبحانه على أن المؤمن قد يمد الله في حياته حتى يشاهد العاقبة بكاملها وقد يتوفاه الله قبل ذلك لكن الله لا يخلف وعده كما نبه تعالى على ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه فقال:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}
وقال سبحانه وتعالى:
{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}
وقال سبحانه وتعالى:
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}
ونبه الله عباده المؤمنين الى أن هذا الامهال الالهي له حكم كبرى وليس عجزاً من الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى:
{ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ} [النور: 57]
ولشدة الافتتان باستمرار الكفار في تقلبهم في قوتهم أشار القرآن الى عدم الاغترار بهذه الحال فقال تعالى:
{لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} [آل عمران: 196] .
ولذلك كله فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نجيب على مثل هذا السؤال المتضمن استبطاء الوعد والوعيد بأن المسألة"مسألة وقت"كما قال تعالى:
{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}
نفوذ المخاطبين:
الحقيقة أن من تأمل كافة تلك القضايا التي ناقشناها في الفقرات السابقة فسيلاحظ أن بعض المنتسبين للدعوة قد قارب بعضها بحسن نية وتحت وطأة الرغبة الملحة في هداية الناس وتأليف قلوبهم وتحبيبهم في الخير والتودد لهم والدخول إلى قلوبهم من جهة ما تهواه, والمرجو أن يكون أمثال هؤلاء الدعاة تحت مظلة العذر الإلهي والكرم الرباني.
ولكن المأمول دوماً هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر, حتى لا يقع الداعية في هوة التحرج من حقائق الوحي, أو التدسس عنها مجاملةً لوسائل الاعلام, أو تربيتاً على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث.
ولطالما اشتد عجبي وأنا أتأمل آيات القرآن من كثرة تنبيه الله سبحانه لنبيه من مخاطر الوقوع تحت"سلطة الجماهير", والحقيقة أن الكثيرين يظنون أن الصراع مع الهوى هو صراع مع هوى النفس الشخصي فقط, ولكن هناك ما هو أقوى على العامل للإسلام من ذلك, إنه الصراع مع أهواء المخاطبين, والرغبة في الاستحواذ على رضاهم وكسب تعاطفهم مع الإسلام.
لا أشد على العامل للإسلام من تلك الفتنة التي حذر الله منها نبيه وهي فتنة استمالة المدعوين, والرضوخ لهوى المكلفين, والانصياع لضغوط مألوفاتهم, وتوجيه التعاليم الإلهية بالشكل الذي يرتاحون به ويميلون اليه.
فالضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يكاد يفلت منها داعية إلى الله, ولو لم تكن هذه الفتنة بهذه الخطورة لكانت كثرة تحذير الله لنبيه منها عبث ينزه القرآن عنه, فكثرة التنبيه فرع عن شدة الخطورة, وتثنية التحذير مرة بعد أخرى انعكاس لدحض الطريق ومزلة الأقدام.
ولا سيما إذا كان التحذير والتنبيه موجها إلى أكمل من أدى أمانة الرسالة على وجهها, فكيف بمن يليه في المنزلة والتسديد.
انظر مثلاً كيف صور الله الجماهير المتلقية وهي تحاول استمالة النبي عن مقررات الوحي وتعده بأن تنساق خلفه وتنصره فقال سبحانه في سورة الاسراء:
{وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}
إنهم على استعداد تام للاتباع والانخراط في جملة المسلمين ولكن بشرط واحد, شرط واحد فقط, إنه"تبديل"بعض هذا الوحي الذي لاتروق لهم مضامينه!
وقد كشف القرآن في الآية التي تليها مباشرة أن هذا الاستسلام لنفوذ المخاطبين كان خطراً فعلياً على صلى الله عليه وسلم لولا العصمة الإلهية ولذلك قال تعالى:
{وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا}
فإذا كان نفوذ المخاطبين كاد أن يبلغ تأثيره سيد المرسلين لولا العصمة الربانية فكيف يأمن من بعده ذلك؟
وقد أشار القرآن إلى هذا الإلحاح بتبديل الوحي كما قال سبحانه في سورة يونس:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ, قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ, قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}
وكرر الله ذات التنبيه إلى خطورة"سلطة المخاطبين"فقال في سورة المائدة:
{وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}