فهرس الكتاب

الصفحة 22680 من 27364

مع أن هذه الآية تحكي صفقة على"بعض الوحي"وليس"كل الوحي"إنما هي مجرد"تحوير"بعض الأحكام والتصورات فقط, ولكن الله سبحانه وتعالى مع كل ذلك نبه نبيه وحذره وسمى ذلك"فتنة", وقد أجمع أرباب الطريق إلى الله على أن"الفتنة"موضع الابتلاء والامتحان والاختبار.

وليس المطلوب فقط هو الامتناع عن التنازل عن بعض مضامين الوحي, بل نحن مطالبون بقدر زائد على ذلك, وهو الفخر بهذه المضامين, والشموخ بها, وعدم التحرج منها, كما قال سبحانه في مطلع الأعراف:

{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}

وجعل الرضا بالحكم الإلهي وتصورات الوحي والخلوص من التحرج منها معيار"الإيمان"كما قال سبحانه:

{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}

ففي هذه الآية أكد هذا الشرط للإيمان بأنواع من الأدوات الألسنية لترسيخ المعنى كالقسم والنفي والتعقيب والتكرار والاسم المطلق وغيرها من الصيغ اللغوية للتأكيد مما هو مبسوط في مطولات المفسرين.

وهكذا تمضي آيات القرآن تثنّي مرة بعد مرة هذا التنبيه للنبي r عن خطورة ضغوط أهواء المخاطبين كما قال سبحانه في سورة المائدة:

{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ}

وفي لغة تحذير مدوِّية يضطرب لها قلب القارئ يقول سبحانه:

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ}

هذا التأكيد الإلهي البليغ المتكرر حول الصراع الشرس بين هذين القطبين"هوى المكلفين"و"كتاب الله"وأثر ذلك على الداعية المبلغ عن الله سبحانه ليس مجرد ملحوظة فكرية تُحتسى في مقهى مسائي, بل هي قاعدة عميقة نابعة من عظمة العلم الإلهي بسنن الدعوة وتبليغ الدين.

ويعيد سبحانه وتعالى ذات التأكيد على تعارض هذين القطبين"الهوى البشري"و"الوحي الإلهي"فيقول سبحانه في سورة القصص:

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ}

ويشير سبحانه إلى ذات التعارض فيقول في سورة الشورى:

{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ}

والمواضع التي نبه الله نبيه فيها إلى خطورة سلطة المخاطبين, وضخامة نفوذهم على الداعية كثيرة جداً, ومن تدبر هذه المواضع, وقلَّب وجوه معانيها, ورأى ما فيها من تكرر الإشارة إلى مشقة مواجهة الهوى البشري على رسول ا صلى الله عليه وسلم , وتحذير الله سبحانه من الاستجابة لضغط أهواء الناس في تغييب بعض حقائق الوحي, ورأى كثرة ربط الله سبحانه بين النقيضين أهواء المكلفين وكتاب الله: انكشف له سر تعقيب الله سبحانه بذكر"الصبر"بعد ذكر"اتباع الوحي"وذلك في قوله سبحانه في سورة يونس:

{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ}

فعلاً.. ما أحوج من أراد أن يجمع الوحي كله إلى"مقام الصبر", الصبر على تعارض الوحي مع الهوى البشري, الصبر على تثاقل النفوس وتمنعها بحبال مألوفاتها, الصبر على الإلحاح النفسي الرهيب الذي يدفع الداعية إلى تلبية ما ينتظره الجمهور منه وإن كان لا ينسجم مع ما تمليه آيات الوحي.

وإن لم يعتصم العامل للإسلام بمقام"الصبر"فسيقع حتماً في سوق النصوص تجاه مراعي الشهوات الأرضية, بدل أن تعرج به هي في مدارات العبودية.

وأحياناً كثيرة لا يقع العامل للإسلام تحت ضغط الرغبة في هداية الناس, بل يقع ضحية تحاشي السخرية والاستهزاء, ذلك أنَّ من الملاحظ عند بعض غلاة المدنية أنهم يضعون كثيراً من المفاهيم والمصطلحات الدينية والتراثية الجادة في قالب ساخر أثناء أطروحاتهم النقدية, والواقع أن السخرية والاستهزاء من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على الآخرين, ذلك أنها من أشد الأمور إيلاما لأصحاب المروءة, فتحجزهم عن كثير من المواقف تحاشياً أن يقعوا في مثار سخرية أو موضع استخفاف, ولذلك نبه الله الرسل والمصلحين على استغلال خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة, فقال تعالى:

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ}

وقال تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ, وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

وأحياناً أخرى يواجه المصلحون جور الاتهامات السياسية, وأنهم يسعون للنفوذ السياسي ولعبة السلطة, والاستحواذ على الجمهور, ونحوها من الاتهامات التي تؤثر على سلوك العامل للإسلام في كثير من الأحيان, وقد نبه القرآن أيضاً على ذلك, وبين أن خصوم الدعوات الإلهية سيلوكون هذه الاتهامات السياسية, ولذلك اعتبر قوم فرعون أن موسى مجرد"طامح سياسي"يخطط للاستيلاء على أرض الوطن, كما نقل الله قولهم:

{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى}

وذكروا أن موسى وهارون يهدفان للسلطة كما نقل الله قولهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت