وهنا أصبحت المؤسسة الأزهرية التي هي بالأساس مؤسسة أهلية علمية لها أوقافها المستقلة وتمارس الاجتهاد ، ولها تقاليدها بعيداً عن يد الدولة أصبحت في قبضة الدولة ، وحدثني « الشيخ الشعراوي » الذي كان يعمل مديراً لمكتب الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر أنه أي الشيخ حسن مأمون لم يكن يستطيع أن ينقل الفراش من مكتبه ؛ أي نزعت من الأزهر كل أسلحته ، وصار شيخ الأزهر الذي كان يمثل ضمير الأمة كلها مجرد موظف لدى المؤسسة الحاكمة لا يخرج قيد أنملة عما تطلب منه رغم أن العلماء في التقاليد الإسلامية هم بالأساس مراقبون للسلطة وضابطون لسلوكها ، وهم معبرون عن الأمة من مواجهة السلطة .
ثم مضى التطوير قدماً حالياً حيث جرى تقصير مدة الدراسة في الفترة الثانوية لتصبح ثلاث سنوات بدلاً من أربع مثل الثانوية العامة ، وتم إلغاء دراسة المذاهب الفقهية تماماً والتي هي حافظة لطريقة فهم الشريعة وهي ناقلتها عبر الأجيال ، ثم منع الطلاب الراغبون من خارج الأزهر من الالتحاق به وكانوا يمثلون دماءاً فيه لتجديد روح الأزهر وشبابه ، ثم رفع سن القبول في المرحلة الابتدائية ، وتضاءلت دراسة القرآن الكريم ؛ كما حوصرت الكتاتيب ، وضعف مستوى طلاب العلوم الشرعية والقسم الأدبي ، رغم أن الشيخ الشعراوي قال لي: إن إصلاح الأزهر يكون عن طريق دعم القسم الأدبي والتخلي عن القسم العلمي تماماً للتعليم العام فدعاة الأزهر هم خريجو العلوم الشرعية بالأساس ؛ وكل ذلك يجري في إطار ما أطلق عليه: « علمنة الأزهر » أي نزع صفة كونه معهداً لتدريس العلوم الشرعية وتخريج متخصصين في العلوم الشرعية الإسلامية .
وخالف الأزهر عبر شيخه الحالي أعز تقاليده في تحمل الاختلاف الفقهي ، فحوصر المخالفون لشيخ الأزهر وحوكموا وعزلوا وشردوا في الآفاق ، وظن شيخه أن المركز الذي منحته السلطة له يتيح له أن يستخدم سلطة الإكراه في مواجهة خصومه رغم أن سلطة العلماء بالأساس هي سلطة معنوية لا تستند إلى الإكراه ؛ والمتأمل في الاجتماع الإسلامي يلاحظ بوضوح أن السلطة السياسية كانت تعمد إلى فرض الرأي الواحد عبر القوة بينما كان العلماء يعمدون إلى إعطاء الفرصة لكافة الآراء الاجتهادية لا يحتكرها عالم واحد أو مجتهد واحد ؛ وموقف الإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة واضح حين عرض عليه المنصور أن يجعل من « الموطأ » دستوراً فقهياً موحداً للأمة لكنه رفض .
كان كل ذلك يتم في إطار علمنة ثقافة الأمة وتحطيم هويتها عبر مصطلحات مثل « تجفيف الينابيع » ؛ فبما أن الأزهر رصيد لتخريج علماء الدين فليجفف ، وطالما أن الطلبة الذين يرغبون في الالتحاق به من خارجه يشتبه في أن يكونوا متطرفين فليمنعوا ، وهكذا .
وطالما أن مادة الدين في التعلم العام يمكن أن تكون مصدراً لتدين الشباب فلتجعل مادة للثقافة المشتركة مع غير المسلمين حفاظاً على الوحدة الوطنية . لم يكن كل ذلك تحت قصف النيران الخارجية أو في إطار خطة مفروضة من الخارج ، بل كان من يقومون بكل هذا ينكرون أن يكون للخارج أي تدخل في فرض أجندته التي تريد أن تفرض التبعية الثقافية على عالمنا الإسلامي وخاصة دول القلب والمركز فيه ، لكن أحداث سبتمبر جاءت لتقلب الأمور رأساً على عقب .
ما بعد سبتمبر والقصف الأمريكي لمناهج التعليم:
كما هو معلوم أن العقل الأمريكي ذي الطابع البراجماتي لا يملك القدرة على الغوص في الأمور لفهمها وتحليلها وهو يعتمد منهج التجريب فيما ينهيه إليه أقرب نظرة له أو أقرب طرفة عين عقلية ، فإن ثبت خطأه جرب غيره ، وهكذا .. وهذا وصناع القرار فيه اتهموا « بغير بينة » ما يطلق عليهم « فوكوياما » الأصوليين ، وفي ظن الأمريكيين أن هؤلاء الأصوليين إسلاميون درسوا علوم الشريعة ؛ وإذن فالمدارس الدينية في باكستان هي التي أخرجت طالبان والمدارس الدينية في السعودية هي التي تخرج أصوليين ، ومناهج التعليم الديني هي التي تحفظ للإسلام قوامه ؛ إذن تجب محاصرة هذه المدارس والمناهج ، والضغط من أجل ذلك ، ومن هنا فما كانت تقوم به الحكومات المحلية في السابق على استحياء أصبحت أمريكا رأساً هي التي تقوم بذلك ، وهي تقوم به بعصبية شديدة وانفعال وقلة خبرة تحت تأثير ضربة سبتمبر ، وهي تجهل أنها تدخل في قلب الوجود الإسلامي وفي قلب هوية الأمة ، وهو ما يعد عدواناً قاسياً وخطيراً يصل إلى حد الحرب . بيد أن أمريكا لم تكتف بذلك ، بل إن مسؤولين كباراً في وزارة الخارجية اقترحوا تمويل أئمة المسلمين الذين يعارضون الإرهاب على حد زعمهم ويؤيدون الحرية الدينية . وقالت وكيلة وزارة الخارجية للشؤون العالمية أمام اجتماع « لجنة الحريات الدينية » المعنية بمتابعة الحالة الدينية في العالم وفق الرؤية الأمريكية: