أصل الكلمة الثلاثي هو قَوَمَ وأحد معانية الانتصاب والعزم . معجم مقاييس اللغة (5/43) ومن أبرز الاستعمالات اللفظية بهذا الأصل (( قيام ) )والقيام يجئ بمعنى المحافظة والإصلاح ومنه قوله تعالى ]الرجال قوامون على النساء [ لسان العرب (12/497) النساء [34] وقام الأمر: اعتدل وأقام الشيء أدامه القاموس المحيط (4/168) ، وأمر قيم: أي مستقيم ( المحكم لابن سيده(6/366) ، وقوام الأمر (بالكسر) نظامه وعماده (لسان العرب(12/499) ، وقيم الأمر: مقيمه، والقيم: السيد وسائس الأمر (لسان العرب12/502) ، ومقوم الشيء وقوامه بمعنى واحد .
فالمراد بمقومات الداعية الناجح الأمور التي هي العماد لنجاح الداعية ليقوم بالدعوة، منتصباً لها عازماً ومحافظاً عليها، مستقيماً معتدلاً في أدائها، قائماً بشؤونها سائساً لأمورها حتى يكون قيامه بها خير قيام يتحقق به المقصود.
ثانياً: الداعية
أصل الكلمة الثلاثي (دٍٍَِِعَوَ) والدعوة المرة الواحدة من الدعاء، والدعاء إلى شيءٍ ما هُو الترغيب فيه والحث عليه كما في قوله ]والله يدعو إلى دار السلام [ يونس [25] أي يرغب في الجنة ويقال دعا يدعو فهو داع والمرة منه دعوة وفي قوله تعالى ]وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً [ الأحزاب[46] أي داعياً إلى توحيد الله فالداعي هو الذي يدعو إلى أمر ما، والجمع دعاة وداعون والداعي والداعية واحد، والهاء فيه للمبالغة .
فالداعية إذن هو المؤهل القائم بترغيب الناس في الإسلام وحثهم على التزامه بالوسائل المشروعة .
وهذا يوضح أن موضوع الدعوة هو الإسلام كله عقيدة وشريعة وأخلاقاً ومعاملة، وأن المدعوون هم جميع الناس كل بحسبه فالكافرون يُدعون إلى الإسلام، والمقصرون يُدعون إلى صدق الالتزام، والعصاة يُدعون إلى ترك الذنوب والآثام وهكذا .
قال ابن تيمية في تعريف الدعوة: (( والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله وبتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا ) ) (مجموع فتاوى ابن تيمية(15/157) عرَّفها بعض المعاصرين بقوله (( تبليغ الإسلام للناس وتعليمه إياهم وتطبيقه في واقع الحياة ) ) (المدخل إلى علم الدعوة(ص/17) ، وأوجز الطبري القول وأبلغ في المعنى حين قال عن الدعوة: (( هي دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل ) ) (تفسير الطبري(11/53) .
ثالثاً: النجاح:-
أصل الكلمة الثلاثي (( نجح ) )وهو أصل يدل على ظفر وصدق وخير (معجم مقاييس اللغة(5/390) والنُّجح والنجاح الظفر بالشيء ونجح المرء إذا أصاب طلبته ونجح الأمر إذا تيسر وسهل ورجل نجح:منجح الحاجات ورأي نجيح أي صواب (لسان العرب(2/612،611) ، الصحاح (1/409) ، القاموس المحيط (1/251) .
فالمقصود هو تحقيق غاية الدعوة، والتوفيق لحصول التيسير في الدعوة وقبولها، ومعلوم أن النجاح الأتم في الدعوة هو قبول الحق والعمل به، ورفض الباطل والإقلاع عنه، فهو قناعة نظرية واستجابة عملية ولكن حصول الإعراض وعدم القبول ليس دليلاً على عدم نجاح الداعية إذ أن الهداية من عند الله ]إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ القصص [56] ونعلم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يأتي النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي وليس معه أحد ) )أخرجه البخاري ،كتاب الطب، باب: من كوى أو كوى غيره (10/155) ، ومسلم في كتاب الإيمان ،باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (1/199) وهذا قطعاً لا يدل على عدم نجاح هؤلاء الأنبياء وإنما يدل على عدم وجود القابلية عند المدعوين وطمس الله لبصائرهم وطبعه على قلوبهم .
فالنجاح إذن هو القيام بالواجب على الوجه الأكمل وكثيراً ما تتحقق به النتائج وقد تتخلف لحكمة عند الله . وبهذا يتضح مدلول عنوان الموضوع (( مقومات الداعية الناجح ) )وأن المراد تسليط الضوء على الأسس اللازم توافرها للداعية في شخصيته وممارساته ومفاهيمه التي تؤدي إلى حصول الهداية وتحقق أثر الدعوة.
المبحث الثاني: أهمية الموضوع:
مما يتقدم عرفنا أن الموضوع يتعلق بما يقوم بالداعية من صفات ومهارات يتحقق بها هدف الدعوة وتحصل الاستجابة، ولا شك أن الاستجابة للداعية ثمرة عظيمة لأنه مبلغ عن الله جل جلاله وعن رسول صلى الله عليه وسلم ، ومقرر لأحكام الإسلام، ومؤدي ذلك تحقق الاستجابة لله وللرسول، والالتزام بالإسلام ولهذا فإن لهذا النجاح آثار كبيرة محمودة تجعل للبحث في هذا المجال أهمية كبرى وإليك بعض ما ينبئ عن ذلك:
1_ الأجر الجزيل: