فهرس الكتاب

الصفحة 22760 من 27364

إن لمحبة تقود إلى المتابعة للمحبوب، وتقديمه على من سواه ،وتلمس موافقة هواه، ولذا قيل في تعريف المحبة إنها (( إيثار المحبوب على جميع المصحوب ،وقيل:موافقة الحبيب في المشهد والمغيب وقيل:اتحاد مراد المحب ، ومراد المحبوب وقيل: إيثار مراد المحبوب على مراد المحب وقيل: هي بذلك المجهود فيما يرضي الحبيب ) )روضة المحبين (ص:19-21) . (( والحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والفعل الظاهر فيما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (7/541) ولذا فإن صاحب الرسالة يتحبب إلى المدعوين ، ويسعى إلى كسب محبتهم له وميل قلوبهم إليه ، لأن ذلك أعظم عون على قبولهم منه واتباعهم له ، وبدونه لا يحصل التأثير الإيجابي بالمتابعة ولو أقيمت الحجج ونصبت الأدلة لأن البغض للداعي يصد عن قبول دعوته وإن كانت حقاً:]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران[159] فالاستجابة والمتابعة أعظم مقتضيات المحبة ،وهما في الوقت نفسه أعظم آثارها .

وإذا تمكنت المحبة فإنها تورث تعلقاً عجيباً بالمحبوب يدفع إلى فعل مقتضاها من الموافقة وإن كان في ذلك مضرة ظاهرة أو إعراض عن محبوبات أخرى هي أكثر أهمية، ويتحمل المحب في ذلك ما يلقي من المعارضة والملامة، وهذا ما يعرف من حال المحبين والعشاق وهو الذي يفسر ما ملئت به سيرهم من الأخبار والأحوال، وليس هذا في عشق ومحبة الصور المحسوسة من البشر، بل هو واقع في المعاني أيضاً فكثير من الأجواد يعشق الجود أعظم عشق فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به، ولا يقبل فيه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم ، وأما عشاق العلم فأعظم شغفاً به ، وعشقاً له من كل عاشق بمعشوقه )) روضة المحبين (ص:69) وبالجملة (( فأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة ،فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته ) )جامع الرسائل والمسائل (2/193) .

ومما يقوي أثر المحبة من الموافقة والاتباع (( حصول اللذة والنعمة والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه ) )روضة المحبين (ص/156،155) ويلحق بذلك أن المحبة توقد نار الشوق فيبقى القلب بالمحبوب ومطلوبه مشغولاً، والعقل في أمره مفكراً (والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال ) ) تهذيب مدارج السالكين (ص:525) .

وهكذا نجد للمحبة أثرها العظيم في الفكر والسلوك، (( والمحبة والإرادة أصل كل دين سواء كان ديناً صالحاً أو ديناً فاسداً فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله ) )جامع الرسائل والمسائل (2/218) ، (( وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها ) )المصدر السابق (2/235) علمنا أهمية هذا العنصر.

ومن منا كان الهوى في غير مرضاة الله خطراً عظيماً بل هو شرك محض وألوهية باطلة كما قال تعالى ]أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الجاثية [23] ، وبالجملة فعاطفة المحبة من أعظم عناصر التأثير سلباً وإيجاباً ، ومن ثم كان الحرص على كسب القلوب واستجلاب المحبة في طاعة الله معيناً على الاستجابة للخير، والقبول للدعوة ، وإذا وجهت المحبة لله وطاعته فذلك غاية عظمى ، إذ أن محبة الله (( هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون ، وإلى عَلَمها شمر السابقون ، وعليها تفانى المحبون ، وبروح نسيمها ترّوح العابدون ، فهي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة العيون ، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ) )تهذيب مدارج السالكين (ص/509) ، والمقابل على الضد من ذلك (( فهو عن الخير صاد ، وللعقل مضاد ، لأنه يُنتج من الأخلاق قبائحها ، ويظهر من الأفعال فضائحها ، ويجعل ستر المروءة مهتوكاً ، ومدخل الشر مسلوكاً ) )أدب الدنيا والدين (ص: 33) .

المبحث الثاني: الإقناع العقلي والحجة العلمية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت