فهرس الكتاب
وفي كثير من الأحيان تكون القدوة الحسنة مغنية عن كثير من أساليب الترغيب والتشويق وأسباب تحصيل المحبة ، وكذلك تعفي من الاستكثار من الاستدلال ، وإقامة الحجة والمناظرة والجدال ، إذ يتحقق من خلال القدوة الكثير من ذلك بشكل تلقائي وبصورة أعمق وأثبت حيث أن القدوة (( تساعد على تكوين الحافز في المتربي دونما توجيه خارجي ) )القدوة مبادئ ونماذج (ص:11) لأن (( المثال الحي المرتقي في درجات الكمال يثير في نفس البصير العاقل قدراً كبيراً من الاستحسان والإعجاب والتقرير والمحبة ، ومع هذه الأمور تتهيج دوافع الغيرة المحمودة والمنافسة الشريفة ) )القدوة مبادئ ونماذج (ص:8 ) فيحصل التأثر والاقتداء وتكون الاستجابة قوية وهي في الوقت نفسه سهلة وتلقائية ، (( حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك من السؤال في كثير من الأعمال ) )الموفقات (4/271،270) ولله در ابن القيم حيث قال: (( إن الناس قد أحسنوا القول فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبِّخ نفسه ) ) (الفوائد(ص:192) .
وبهذا تتكامل عناصر التأثير فإذا اجتمع مع محبة الفعل اقتناع العقل بثمرته وفائدته وأضيف إليهما قدوة يتمثل فيهما الفعل فإن التأثير يكون قد بلغ مبلغه .
ولا بد من التأكيد على أهمية عنصر القدوة وخطورة انعدامه حيث (( يستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الكيمياء أو العلوم أو الطب أو الهندسة أو غير ذلك من العلوم التي أمرنا الله بتعلمها لتعمر الدنيا ولكن هذه العلوم لا تتطلب منا قيداً سلوكياً ، فقد تكون عالماً في أي فرع من هذه العلوم وسلوكك تبعاً لهواك ولكن هذا لا يفسد الحقيقة أنك عالم في علمك لأن النبوغ لا يضع قيداً على الأخلاق إلا علم الدين فإنك إن كنت من علمائه أو الداعين إليه أو المتدينين المخلصين لا بد أن تكون قدوة حسنة لما تدعو إليه وإلا ما استمع إليك أحد ) )الدعوة قواعد وأصول (ص:111) .
ولله در القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وحسب المسلم قول الله تعالى:]يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقول مالا تفعلون [ الصف [3،2] .
الفصل الثالث: مقومات النجاح في تكوين الداعية
في هذا الفصل أسلط الضوء على المقومات الشخصية اللازمة في تكوين الداعية ليتأهل للنجاح في دعوته ، فالمقصود هو بيان ما يلزم الداعية أن يتحقق به في ذات نفسه، وأن يوجده ويكلمه في سماته وصفاته كأساس لا بد منه قبل أي مقومات خارجية تتصل بالمدعوين أو بيئة الدعوة أو موضوعاتها .
وإن هذه المقومات كثيرة ويمكن أن يطول الحديث في سردها وعرضها وتكون بمثابة استعراض لواجبات وآداب الإسلام مما يفقدنا معرفة الأولويات والأهمية الكامنة في بعض المقومات ،ولذا اجتهدت بعد التأمل والتفكير، أن أسلط الضوء على أربعة مقومات هي الأكثر أهمية وشمولية ويندرج تحتها كثير من الصفات الأخرى .
المبحث الأول: التميز الإيماني والتفوق الروحاني:
إن التميز في مجال الإيمان عقيدةً صحيحةً ، ومعرفةً جازمةً ، وتأثيراً قوياً يعد- بلا نزاع - أهم المقومات وأولى الأولويات بالنسبة للداعية ، لكي يكون الداعية عظيم الإيمان بالله ، شديد الخوف منه ، صادق التوكل عليه ، دائم المراقبة له ، كثير الإنابة إليه ، لسانه رطب بذكر الله ، وعقله مفكر في ملكوت الله ، وقلبه مستحضر للقاء الله ، مجتهد في الطاعات ، مسابق إلى الخيرات ، صوام بالنهار قوّام بالليل ، مع تحري الإخلاص التام ، وحسن الظن بالله وهذا هو عنوان الفلاح ، وسمت الصلاح ، ومفتاح النجاح ، إذ هو تحقيق لمعنى العبودية الخالصة لله وهي التي تجلب التوفيق من الله فإذا بالداعية مسدد ، إن عمل أجاد ، وإن حكم أصاب ، وإن تكلم أفاد .
وهذا الباب واسع الجوانب متعدد المستلزمات ، وحسبي أن أبرز أهم هذه الجوانب:-
أولاً: عظمة الإيمان بالله: