فهرس الكتاب
أساس كل أمر هو تجريد التوحيد ، والبعد عن الشرك ولا بد أن يكون الداعية صحيح الإيمان ، خالص التوحيد ، عنده من العلم ما يعرِّفه بالله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وأن تستقر هذه المعرفة في سويداء قلبه ، وتملك عليه أقطار نفسه ، وتجري مع الدماء في عروقه ، وأن ينعكس ذلك على سائر أحواله فتنضبط به أفكاره وآراؤه ، وتُحكم به كلماته وألفاظه ، وتُقوَّم به أفعاله وأعماله ، ويجمع ابن القيم هذا المعنى في عبارة أشمل وأعمق حيث يقول في بيان المراد أنه (( التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة وامتثال أمر سيده ، واجتناب نهيه ، ودوام الافتقار إليه ، واللجأ إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه ، وعياذ العبد به ولياذه به ، وأن لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفاً ورجاءً ، وفيه أيضاً أنه عبد من جميع الوجوه: صغيراً وكبيراً ، حياً وميتاً ، مطيعاً وعاصياً معافى ومبتلى ، بالروح والقلب واللسان والجوارح ، وفيه أيضاً أن مالي ونفسي ملك لك فإن العبد وما يملك لسيده ، وفيه أيضاً أنك أنت الذي مننت علي بكل ما أنا فيه من نعمة فذلك كله من إنعامك على عبدك ، وفيه أيضاً أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك ، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده وإني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة ) )الفوائد (ص:35،34) ، ولا يتصور للداعية نجاح وتوفيق ، أو تميز وقبول دون أن يكون حظه من الإيمان عظيماً (( إذ كيف تدعو الناس إلى أحد و صلاتك به واهية ومعرفتك به قليلة ) )مع الله (ص: 188) .
وهذه الغاية العظمى تتصل أكثر شيء بأعمال القلوب التي تخفى على الناس ولا يعلمها إلا علام الغيوب ، إلا أن آثار ذلك تظهر بوضوح في الأقوال والأفعال فإن (( عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه ، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولي عليه بدلها ، ويصير الهم كله به ، والخطرات كلها بذكره ، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه ، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يفرح به سواه ) )زاد المعاد (2/87) ، كل ذلك ينعكس على الداعية فتظهر على شخصيته آثار الإيمان الصحيح المتحرك ومن أبرزها:-
1_ التحرر من عبودية غير الله:
الإيمان قوة عظمى يستعلي بها المؤمن على كل قوى الأرض ، وكل شهوات الدنيا ، ويصبح حراً لا سلطان لأحد عليه إلا لله ، فلا يخاف إلا الله ، ولا يذل إلا لله ، ولا يطلب إلا من الله ، ولا يأمل إلا من الله ، ولا يتوكل إلا على الله ، وللإيمان تأثير كبير في أعظم أمرين يسيطران على حياة البشر وهما: الخوف على الرزق ، والخوف على الحياة .
أما الأول: فلا يخفى كم أذل الحرص أعناق الرجال ، وكم شغل الناس حبُّ المال ، وكم باع أناس مبادئهم ، وخانوا أمتهم وتنكروا لماضيهم لما ذهب الذَّهب بأبصارهم وسبى قلوبهم ، أما المؤمن فحقائق الإيمان تملؤ قلبه فلا يتأثر بشيء من هذا لأن في قلبه قول الحق جل وعلا ]وفي السماء رزقكم وما توعدون [ الذاريات[22] ولأنه يعلم من بيده الرزق ]فابتغوا عند الله الرزق واعبده واشكروا له [ العنكبوت[17] وأنه لا يملك أحد من البشر من ذلك شيئاً ]إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً [ العنكبوت [17] وفوق ذلك يعلم حقيقة الرزق في الدنيا وقيمته المحدودة ويرتبط بقوله تعالى ]ورزق ربك خير وأبقى [ طه [131] وقوله ]إن هذا لرزقنا ماله من نفاد [ ص [54] وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ) )أخرجه الترمذي كتاب الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، حديث رقم (2320) ومن هذه المنطلقات الإيمانية قال الشافعي رحمه الله:
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبراً
همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة قهراً
وأما الثاني: فيقين المؤمن أن الموت والحياة بيد الله ، وأنه لا ينجي حذر من قدر ، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه ، وأن الموت ليس بالإقدام وأن السلامة ليست بالإحجام بل كما قال تعالى ]أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة [ النساء [78] ومن هنا يتميز المؤمن عن غيره ، فبينما ترتجف القلوب وتنسكب الدموع ، وتعلو التوسلات ، وتقدَّم التنازلات ، حرصاً على الحياة ، نجد المؤمن كالطود الشامخ يهتف مع خبيب بن عدي قائلاً:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
ويتذكر قول علي بن أبي طالب:
أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قُدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر