فهرس الكتاب
والمقصود بها إقامة الفرائض ، والاستكثار من النوافل ، والاشتغال بالأذكار ، والمداومة على الاستغفار وكثرة التلاوة القرآنية ، والحرص على المناجاة الربانية ، وغير ذلك من القربات والطاعات ، لأن العبادة زاد يتقوى به الداعية ، فالصلاة صلة بينه وبين مولاه ، ولا مناص من تميزه في حرصه عليها ، وتبكيره إليها ، وخشوعه فيها ،وتطويله لها ، وشهودها مع الجماعة وله في ذلك قدوات سالفة فسعيد بن المسيب (( ما فاتته الصلاة في الجماعة أربعين سنة ) )نزهة الفضلاء (1/370) (( والربيع بن خثيم كان يقاد إلى الصلاة وبه الفالج ، فلما روجع في ذلك قال: إني أسمع حي على الصلاة فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبواً ) )نزهة الفضلاء (1/381) ، ولست أدري كيف يكون داعية من يتخلف عن الصلوات في الجماعات سيما في الفجر والعصر مع ما ورد في أدائهما خصوصاً من تعظيم الأجر ، وما جاء في فواتهما من التحذير من الإثم والوزر ، وقد ترخص كثيرون في ذلك فلا يهمهم التبكير ، ولا يعنيهم إدراك التكبير ، ولست أدري ما يقول هؤلاء إذا سمعوا مقالة إبراهيم بن زيد التيمي: (( إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه ) )نزهة الفضلاء (1/468) وبماذا يعلقون إذا علموا أن سعيد بن عبد العزيز التنوخي (( كان إذا فاتته صلاة الجماعة بكى ) )نزهة الفضلاء (2/611) والحقيقة أن الأمر في هذا يطول والتفريط فيه من بعض الدعاة كثير وخطير ، ونصوص الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
والذكر عظيم المنزلة فهو (( منشور الولاية الذي من أعطية اتصل ، ومن منعه عُزل ، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجسام لها قبوراً ، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بوراً ، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق ، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق ، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منه القلوب ) )تهذيب مدارج السالكين (ص:463) ، والذكر هو العبادة المطلوبه بلا حد يُنتهي إليه ]يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً [ الأحزاب [41] وبلا وقت تختص به ]ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى [ طه [130] وبلا حال تستثني منه ]الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم [ آل عمران [91] ، والذاكرون هم السابقون إشارة إلى حديث أبو هريرة: (( سبق المفردون ، قالوا: وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ) )أخرجه مسلم ، في كتاب الذكر والدعاء ، باب الحث على ذكر الله تعالى (النووي) (17/4) ، في رياض الجنة يرتعون إشارة إلى حديث أنس بن مالك: (( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ، قالوا: وما رياض الجنة ؟ قال: حلق الذكر ) )أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن غريب . (انظر الترغيب والترهيب 2/ 408،407) ، وبوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم يعلمون (إشارة إلى حديث عبد الله بن بشر ، أن رجلاً قال:(( يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به ؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ) )رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (انظر الترغيب والترهيب 2/394) ، وبمباهاة الملائكة يسعدون (( إشارة إلى حديث صلى الله عليه وسلم لمن جلسوا يذكرون الله ، حيث قال: ولكنه أتاني جبريل وأخبرني أنَّ الله عز وجل يباهي بكم الملائكة ) )أخرجه مسلم، في كتاب الذكر ،باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر (النووي) (17/23) .
والاستغفار من أعظم الأذكار وكان المصطفى عليه الصلاة السلام يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة .أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ، باب استغفار صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة (الفتح11/101) وأخبر أمته أن (( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ، ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب ) )أخرجه أبو دواد في كتاب الصلاة ، باب الاستغفار (1518) (2/178) ولذا فلا بد للداعية من الأذكار ليحيي الله قلبه ، ولا بد له من الاستغفار ليمحو الله ذنبه .
وأعظم الذكر تلاوة القرآن التي هي من أقوى الصلات بالله التي يحتاجها الدعاة ، ولها أثرها في الواقع الدعوة والحياة (( ومن الصلة بالله إعزاز كتابه وإدمان تلاوته وتدبر معانيه ، وعقد مقارنة مستمرة بين المثل التي يحدو العالم إليها ، والواقع الذي ثوى الناس فيه لتكون هذه المقارنة حافزاً على تذكير الناس بالحق ، وقيادتهم إلى الله، وتأهيلهم . وقرب الداعية من كتاب الله يجب أن يكون متعة لروحه وسكناً لفؤاده وشعاعاً لعقله، ووقوداً لحركته ومرقاة لدرجته ) )مع الله (ص:191) والصلة بالقرآن موجبة للتميز كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ،وبنهاره إذا الناس مفطرون ،وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً سكيناً ، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا سخاباً ولا صياحاً ولا حديداً ) )الفوائد (ص:192) .