فهرس الكتاب

الصفحة 22767 من 27364

وإذا سلك الداعية طريق العلم حظي بالخيرية الربانية الثابتة في حديث الرسو صلى الله عليه وسلم (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله به طريقاً من طرق الجنة ) )سنن أبو داود ، كتاب العلم ، باب الحث على العلم (3641) (4/57) .

وإذا نال الداعية حظاً وافياً من العلم واندرج في سلك طلبة العلم فإنه يكون في مجتمعه نبراساً يُهتدى به كما قال ابن القيم عن الفقهاء (( إنهم يكون الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يُهتدى في الظلماء ، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء ) )إعلام الموقعين (1/9) ، وعندما يتحرك الداعية ناشراً علمه ساعياً بين الناس بالإصلاح ناعياً عليهم الغفلة والفساد فإنه يحظى بشرف الوصف الذي ذكره الإمام أحمد حين قال: (( الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هَدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ) )إعلام الموقعين (1/9) ، وأهل العلم والبصيرة من الدعاة شهد التاريخ أنهم (( هم من اهتدى بهم الحائر ، وسار بهم الواقف ، وأقبل بهم المعرض ، وكمُل بهم الناقص ، ورجع بهم الناكص ، وتقوى بهم الضعيف ) )مدارج السالكين (3/304) .

ولأهل العلم في بيان شرف العلم وفضيلته مقالات رائعة منها: قول الخطيب في الفقيه والمتفقه: (( قد جعل الله العلم وسائل أوليائه ، وعصم به من اختار من أصفيائه ) )الفقيه والمتفقه (2/71) .

وأسند قبل ذلك عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: (( يقال العقل دليل الخير ، والعلم مصباح العقل ، وهو جلاء القلب من صدى الجهل ، وهو أقنع جليس ، وأسرُّ عشيق ، وأفضل صاحب وقرين ، وأزكى عقدة ، وأربح تجارة ، وأنفع مكسب ، وأحسن كهف ، وأفضل ما اقتني لدنيا واستظهر به لآخرة ، واعتصم به من الذنوب ، وسكنت إليه القلوب ، يزيد في شرف الشريف ، ورفعة الرفيع ، وقدر الوضيع ، أنس في الوحشة ، وأمن عند الشدة ، ودال على طاعة الله تعالى وناه عن المعصية ، وقائد إلى رضوانه ، ووسيلة إلى رحمته ) )الفقيه المتفقه (2/71) .

وقال أبو هلال العسكري في (( الحث على طلب العلم ) ): (( فإذا كنت - أيها الأخ الكريم - ترغب في سمو القدر ، ونباهة الذكر ، وارتفاع المنزلة بين الخلق ، وتلتمس عزاً لا تثلمه الليالي والأيام ، ولا تتحيَّفه الدهور والأعوام ، وهيبة بغير سلطان ، وغنى بلا مال ، ومنعة بغير سلاح ، وعلاء من غير عشيرة ، وأعواناً بغير أجر ، وجنُداً بلا ديوان وفرض ، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانه تأتك المنافع عفواً وتلق ما يعتمد منه صفواً ) )الحث على طلب العلم (ص:43) .

وقال ابن إسحاق بن أبي فروة: (( أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد فأما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهل الجهاد فجاهدوا على ما جاءت به الرسل ) )الفقيه والمتفقه (1/35) .

العلم المطلوب:

ليس بالضرورة أن يكون الداعية عالماً جامعاً لكل العلوم ، وليس من شرط الدعوة تمام العلم واستيفاء قدر بعينه منه ، وليست الدعوة مختصة بالعلماء وحدهم دون غيرهم بل كل من علم من أحكام الإسلام شيئاً دعا إليه ،وكل من علم منكراً وعرف دليل حرمته نهى عنه ، وإذا لم يكن الأمر كذلك تعطلت الدعوة ومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسبق أن أوضحنا أن الدعوة (( مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئاً واحداً لا يتجزأ ولا يتبعض ، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض فمن عَلم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية ، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل ، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئاً أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة ، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه ) )أصول الدعوة (ص:302) ، وفعل الصحابة الكرام يدل على ذلك ، فالطفيل بن عمرو الدَّوسي ، وأبو ذر الغفاري ، وهما من السابقين إلى الإسلام قاما بمهمة الدعوة بما معهما من أصل التوحيد وبعض ما نزل من القرآن ، وهدى الله بهما فئاماً من الناس ، ولم يصل أبو ذر الغفاري إلى المدينة ويلحق بالرسو صلى الله عليه وسلم إلاّ في العام السابع للهجرة وكان معه قبيلة أسلم ، وقبيلة غفار قدم بهما مسلمتين ، ونحن نعلم أن الرسو صلى الله عليه وسلم قال: (( بلغوا عني ولو آية ) )أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (الفتح) (6/572) وقال أيضاً: (( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلِّغها ، فربِّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) )أخرجه الترمذي في كتاب العلم ، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658) (5/34) .

ومع هذا البيان إلاّ أننا ندرك أن الداعية وقد تصدر للوعظ والإرشاد والتربية والتعليم مطالب بقدر من العلم والثقافة يعينه على مهمته ويؤهله لها وتلخيص المهم من ذلك يتركز في جانبين:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت