فهرس الكتاب
وتأمل هذا الإلزام بالإقرار بربوبية الله وألوهيته فيما ذكره السعدي في تفسيره حيث قال: (( وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق أو الخروج عن موجب العقل والدين ، وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله مكذبون لرسوله ذلك مُستَلزم لإنكارهم أن الله خلقهم وقد تقرر في العقل مع الشرع أنّ ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور:- إما أنهم خُلقوا من غير شيء أي لا خالق خَلَقَهم ، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد وهذا عين المحال ، أم هم الخالقون لأنفسهم هذا أيضاً محال ، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه ، فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتهما تعين القسم الثالث ، وهو أن الله هو الذي خلقهم ، وإذا تعين ذلك ، عُلمَ أن الله هو المعبود وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى ) )تفسير السعدي (7/195-196) .
2.قال تعالى ]واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدولي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين [ الشعراء [69-81 ] .
وهنا ستكون الإجابات بالنفي فعقولهم تمنعهم أن يقولوا إنّ أصنامهم تسمع دعاءهم أو تجيب رجاءهم ، وهذا يؤدي إلى عدم جدوى هذه الأصنام وبالتالي الاستسلام العقلي بوجود وألوهية الخالق الذي جاء في هذه الآيات وصف أفعاله سبحانه وتعالى .
ومن الأمثلة الحديثية:-
1.عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أتي صلى الله عليه وسلم فقال مستنكراً ومسترشداً: يا رسول الله ولد غلامٌ أسود ، فقال: هل لك من إبل ؟ قال: نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال: حُمر ، قال: هل فيها من أورق ؟ أورق:أي: أسمر- النهاية في غريب الحديث (5/175) قال: نعم ، قال:فأنى ذلك ؟ قال: لعله نزعه عرق ، قال: فلعل ابنك هذا نزعة عرق .أخرجه البخاري ، كتاب الطلاق ، باب إذا عرّض بنفي الولد (الفتح9/442) .
فهذا الرجل جاء سائلاً مستفتياً عما وقع له من الريبة ، فلما ضرب له المثل أذعن ، وقال ابن العربي: (( فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظر ) )فتح الباري (9/444) .
2.عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (( إن فتى من الأنصار أتى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتأذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا: مه مه ؟ فقا صلى الله عليه وسلم: أدنه ، فدنا منه قريباً ، قال: فجلس ، قال: أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال أتحبه لابنتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال: أتحبه لعمتك ؟ قال: لا والله جعلني فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم قال: أتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لخالتهم ، قال فوضع يده عليه ، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ،وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ) )المسند (5/257) .
فهذا الشاب قرَّره صلى الله عليه وسلم في رفض هذا الفعل في صور شتى ثم توصل في آخر الأمر إلى رفض ونفي ما كان يطلب الإذن فيه من الزنا .
ومثل ذلك ما فعلته أم سليم زوجة أبي طلحة كما روى أنس بن مالك: (( اشتكى ابن لأبي طلحة ، قال فمات وأبو طلحة خارج . فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً ونحّته في جانب البيت .فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام ؟ قالت: قد هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح . وظنّ أبو طلحة أنها صادقة . قال: فبات . فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات ، فصلّى مع صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم بما كان منهما ، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما ) )صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، (الفتح) (3/169) .
(ج) أسلوب الإمرار والإبطال:-
وهو أسلوب قوي في إفحام المعاندين أصحاب الغرور والصلف بإمرار أقوالهم وعدم الاعتراض على بعض حججهم الباطلة منعاً للجدل والنزاع خلوصاً إلى حجة قاطعة تدمغهم وتبطل بها حجتهم تلك فتبطل الأولى بالتبع.
ومن الأمثلة القرآنية:
1.قصة إبراهيم مع النمرود قال تعالى ]ألم تر إلى الذين حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين [ البقرة [258 ] .