فهرس الكتاب
نقل ابن كثير في تفسيره عن بعض السلف أن قول النمرود أنه يحي ويميت استَدل له بأن أتى برجلين استحقا القتل ، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر ، ثم قال: (( والظاهر- والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس يدعي لنفسه هذا المقام عناداً ومكابرة ، ويوهم أنه فاعل لذلك وأنه هو الذي يحي ويميت ) )ثم قال: (( إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق فإن كنت إلهاً كما تدعي ، فأت بها من المغرب ، فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت: أي خرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة ) )وبين أن المقام الأول كالمقدمة للمقام الثاني ، وهذا الأسلوب يثبت بطلان ما ادعاه النمرود في ادعائه الأول .تفسير ابن كثير (1/313) .
وقد أحسن صاحب الظلال في توضيح هذا الأسلوب حيث قال (( عرَّف إبراهيم ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، ولا يمكن أن يزعمها أحد ... و هذا الملك يسأله عمن يدين له الربوبية ، ويراه مصدر الحكم والتشريع وغيره ،قال ]ربي الذي يحي ويميت [ فهو من ثم الذي يحكم ويشرع ) )، ثم قال تعليقاً على قوله تعالى ] أنا أحي وأميت [: لم يرد إبراهيم عليه السلام أن يسترسل معه في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة ، حقيقة منح الحياة وسلبها ، هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئاً ، وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الحقيقة إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية ، وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله ] ربي الذي يحي ويميت[ إلى طريقة التحدي ، وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر ويتعنت ويجادل في الله )) الظلال (1/298) .
وعلق بمثل قوله السعدي في تفسير فقال: (( فلما رآه الخليل مموهاً تمويهاً ربما راج على الهمج والرعاع قال إبراهيم ملزماً بتصديق قوله: إن كان كما يزعم ]فإن الله يأتي بالشمس ..[ الآية فأتى(أي إبراهيم) بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه ))تفسير السعدي (1/320) .
2.قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وهي نموذج مطول في هذا الأسلوب حيث أعرض موسى عن كل اعتراض وشبهة أوردها فرعون ومضى إلى إبطال دعوى الألوهية لفرعون من خلال إقامة الحجة العقلية الظاهرة على ربوبية وألوهية الله ، وذلك في الآيات من سورة الشعراء ، قال تعالى:] قال فرعون وما رب العالمين ، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، قال لمن حوله ألا تستمعون ، قال ربكم ورب آبائكم الأولين ، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ، قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين [ الشعراء [23-29] .
فهنا أعرض موسى عليه السلام عن تهكم فرعون ومضى إلى غايته مقيماً حجته مقرراً قضيته ، ثم غض الطرف عن تهمة الجنون الباطلة ولم يستغرق جهده في إبطالها بل مضى في تقوية أدلته ونصرة قضيته ، حتى أخذ فرعون وحوصر وفشلت حيلته ، وانقطعت تهكماته واتهاماته ، وأفحم بالحجج فلجأ إلى القوة وهي حيلة العاجز في ميدان المناظرة والاحتجاج ، وهذا دليل على أنه هزم وهذا الأسلوب دليل على كمال عقل موسى عليه السلام وحسن تقريره .
ولا شك أن الداعية مطالب بتفهم هذه الأساليب والإفادة منها ليكتسب فطنة تساعده على تقرير المسائل وإقامة الحجة وسرعة البديهة .
وهذه أمثلة لأئمة ودعاة كانت لهم أقوال ومواقف تبين رجاحة عقولهم وقوة حجتهم .
المثال الأول:
يذكر عن أبي حنيفة أنه حاج قوماً من الملاحدة الدهريين فقال لهم: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا: لا ، هذه شيء لا يقبله العقل .
فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها وتباين أكنافها ، من غير صانع وحافظ ؟ فهبت القوم وأفحموا (أنظر درء تعارض العقل والنقل(3/127) .
المثال الثاني:
طلب الحجاج الحسنَ البصري ، فلما دخل عليه قال له الحسن: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب ؟ قال: كثير ، قال فأين هم ؟ قال: ماتوا ، فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن (البداية النهاية(9/135) .
وهذا المثل على وجازته فيه استخدام العقل بالتفكير والتأمل والوصول إلى النتيجة التي فيها العظة والعبرة .
المثال الثالث:
سأل بعض النصارى القاضي أبا بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم ؟ وما كان من أمرها بما رميت من الإفك ؟ فقال الباقلاني على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء ، مريم و عائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد ، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج ! البداية والنهاية (9/135) .