فهرس الكتاب

الصفحة 22774 من 27364

وقال ابن القيم في تفسيره تفسير ابن كثير (3/72) : يقول تعالى:]فلعلك باخع ...[ مسلياًَ لرسو صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه )) .

فهذه نفس الرسو صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم ، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم .

إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه ، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته ، ويتلطف في علاجهم ، وإن رأى منهم عزوفاً عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء ، وإقناعهم بضرورة تناوله ، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المفرطون ، وهكذا فإن (( الداعي الرحيم لا يكفُّ عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة ، وأن إعراضهم بسبب جهلهم ، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم ) )أصول الدعوة (ص:344) .

فالرحمة - كما ترى - باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذاً للناس من الهلاك ، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض .

ولا ينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون بل تأتي الرحمة أحياناً كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو ، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه (( فليست الرحمة حناناً لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام ، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعاً ) )خلق المسلم (ص:207) .

وإن في سيرة المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم أعظم وأروع الأمثلة على الرحمة سيما في المواقف العصيبة التي بلغت فيها المعاناة أشد مراحلها التي تضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو ، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم ، ومع ذلك تبقي نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة كما حصل يوم رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن ذهب إليها وفي قلبه أمل ، فلقي فيها أعظم مما كان يتصور من الإعراض فرجع كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، فقال صلى الله عليه وسلم (( بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئاً ) )أخرجه البخاري ، في كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء (الفتح) (6/360) ، وفي صحيح مسلم كتاب الجهاد ، باب ما لقي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (عبد الباقي) (3/1420) وانظر الرحيق المختوم (ص:150) .

وفي يوم أحد عندما شجّ وجهه الشريف ، وكُسرت رباعيته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه (انظر الرحيق المختوم(ص:314) ، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )وفي صحيح مسلم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كأني أنظر إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )أخرجه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد (عبد الباقي) (3/1417) ، ومن هنا جاء الوصف الرباني العظيم في ثنايا الآيات التي نزلت في غزوة أحد:] فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران [159] .

(( لقد أراد الله أن يمتنَّ على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثي لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ يناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها ، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنساناً سليم الفطرة لا يضري ولا يطغي فأرسلمحمدا صلى الله عليه وسلم وسكب في قلبه من العالم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد الله رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدراً ) )خلق المسلم (ص:204) .

نعم (( إن الرحمه كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى ، هي كمال في الطبيعة ، لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ) )خلق المسلم (ص:203) .

ثانياً: الحلم والأناة:

في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة ، وأفعال مستفزة ، والناس - باختلاف طبائعهم - تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش ، فمنهم من (( تستخفه التوافه فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقي على وقعها الأليم محتفظاً برجاحة فكره وسجاحة خلقه ) )خلق المسلم (ص: 106) .

والحلم (( فضيلة خلقية نافعة .. تقع في قمة عالية دونها منحدرات ، فهو أناة حكيمة بين التسرع والإهمال أو التواني ، وضبط للنفس بين الغضب وبلادة الطبع ، ورزانة بين الطيش وجمود الإحساس ) )الأخلاق الإسلامية (2/325) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت