فهرس الكتاب

الصفحة 22775 من 27364

والأناة عند الداعية إلى الله تعالى (( تسمح له بأن يُحكم أموره ، ويضع الأشياء في مواضعها ، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق ، وتعرضه للتعثر والارتباك ، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق ، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضاً يعرض لللتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها ) )الأخلاق الإسلامية (2/353) ، وقد امتدح صلى الله عليه وسلم الأشج فقال: (( إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ) )أخرجه مسلم ، في كتاب الإيمان ، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله (عبد الباقي) (1/48) ، فرحابة الصدر وسعة النفس تقتضي عدم الانفعال المخرج عن حد الصواب والاعتدال ، وجمهور الدعوة قد يقع منهم ما يدفع إلى الغضب ، وكثيراً ما يتصرفون بدافع من العجلة والرغبة في الحصول على النتائج السريعة ، ومجاراة الداعية لهم في الحالتين خلل في مسلك الدعوة ، لأن المسايرة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة ، وقد يكون أولئك العامة مندفعين إلى تلك العواقب بحمية عصبية وحماسة استفزازية ، (( لكن المصلحين العظماء لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من أناتهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاءً ، ويطلقوا ألسنتهم تلهج بالثناء ) )خلق المسلم (ص:107) .

ومن أمثله من سيرة صلى الله عليه وسلم ما رواه أنس بن مالك حيث قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى بوله أمر صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء أهريق عليه (أخرجه البخاري ، كتاب الطهارة ، باب صب الماء على البول في المسجد(الفتح) (1/324) .

ومواقف أخرى كثيرة تبين حمله الذي لا يندفع فيه مع مقتضى الطبع ، ولا يمضي معه وفق أعراف الجاهلية وانتصاراتها المبنية على الحمية لأن (( الجاهلية التي عالج رسول ا صلى الله عليه وسلم محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة ، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم ، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد ، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنح الفساد ، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد .

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (خلق المسلم(ص:109) .

ثالثاً: العفو والصفح:

ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم للغيظ وضبط للغضب ، ثم الأناة التي فيها تبصر بالأمور وتأن في التصرف ، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين كل ذلك يثمر العفو والصفح لأن (( القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبداً إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان ) )خلق المسلم (ص:204) .

ومادام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه ، قال تعالى:]خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف [199] .

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع ، قال تعالى: ]فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [ آل عمران [159] .

وعند ما وقعت حادثة الإفك ، كان وقعها على آل أبي بكر شديداً ، فلما نزلت البراءة حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بن أثاثة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ]ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم [ النور [22] .

والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لا يقسو لأن (( القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى ) )خلق المسلم (ص: 207) ، ومن أعظم مواقف العفو عفو صلى الله عليه وسلم عن المشركين يوم فتح مكة . الرحيق المختوم (ص:480، 481) .

وهكذا فإن رحابة الصدر وسماحة النفس تنتظم الرحمة التي تدعو إلى الحلم الذي يقود إلى العفو فيكون من وراء ذلك التأثير التلقائي لأن الإنسان يتأثر بالإحسان:]ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ فصلت [34] .

وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع (( أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له ، وثقة الناس به ، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب ، والتغاضي عن السيئات والنقائص ، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقاً ليناً ، سمحاً هيناً ، يسر بالنصحية ، ولا يريد الفضيحة ، يسد الثغرات ولا ينشر الزلات والعثرات ) )الأخلاق الإسلامية (2/443) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت