فهرس الكتاب

الصفحة 22782 من 27364

(( الجرأة في الحق قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن من الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد الذي يعتقده ، ومن الحق الذي يعتنقه ، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به ، ومن القدر الذي يستسلم إليه ، ومن المسئولية التي يستشعر بها ، ومن التربية الإسلامية التي نشَّئ عليها .

وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يُغلب ، وبالحق الذي لا يُخذل ، وبالقدر الذي لا يتحول وبالمسئولية التي لا تكلّ ، وبالتربية التكوينية التي لا تمل ، وبقدر هذا كله يكون نصيبه من الجرأة والشجاعة وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم )) صفات الداعية النفسية (ص:23) .

والجرأة للداعية أمر مهم في زيادته وقيادته ، وفي تأثيره ومنفعته ، لأن الناس يتأثرون بالجريء المقدام ، لأنهم في الملمات يحجمون وتتقدم بالداعية جرأته في الحق مصحوبة بحكمته في التصرف فإذا هو المقدم الذي تشخص إليه الأبصار ، ويتعلق به القلوب .

فالجرأة سمه تقدم للداعية تنبئ عن قوة في القلب ، وعزيمة في النفس ، وصدق في المواقف ، وشموخ بالمنهج ، فعندما تنخلع القلوب هلعاً يبقى الداعية الجريء ساكن القلب رابط الجأش ، وعندما تخرس الألسن خوفاً تَنطق الجرأة على لسانه فيجهر بالحق لئلا تنطمس معالمه ، وعندما تحار العقول من هول المفاجآت أو صدمة الكوارث تعمل الجرأة عملها فإذا العقل حاضر ، والتفكير صادر ، ونحن في أعصر رق فيها الدين ، وكثر التساهل في الأوامر والنواهي ، وترخص كثيرون في الرضى بالمنكرات ، واستحيا آخرون من إظهار العمل بالصالحات ، حتى غدا المنكر معروفاً والمعروف منكراً في كثير من الأحوال ، وتدور دورة الحياة بمشاغلها ، وتبهر العقول بمفاتنها ، وتخطف الأبصار ببهارجها ، فتستقر الأوضاع الخاطئة وتستمر المنكرات الظاهرة وما ذلك إلا لقلة أهل الجرأة والشجاعة الذين يتقدمون لرفع راية الحق فيلتف حولهم آخرون ويكونون بؤرة تجمع ترفض الذوبان ، وتستعصي على التهجين ، إن لهذه الجرأة والشجاعة زاد من اليقين بـ (( أن حق الله لا بد أن يسود ، وأن هداه لا بد أن يعلو ، وأن نهجه لا بد أن تتضح معالمه وترسو دعائمه ، وأن المنتسبين إليه ما ينبغي أن تخفت أصواتهم ، ولا أن يغلبوا على تعاليمهم ) )مع الله (ص:210) .

والحق أن (( الأمة جمعاء مكلفة أن تكون شجاعة في حماية الدين ، ورد العادين على حدوده من المجَّان والفجار ) )مع الله (ص:210) وهذا هو وصف الصفوة المختارة لحمل الرسالة في كل عصر يتلفت فيه الناس من المسئولية ، ويتخلون عن التبعية ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [ المائدة [54] ، وعلى هذا بايع النفر الأوائل من الأنصار في بيعة العقبة كما قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول ا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ( أخرجه البخاري في كتاب الفتن ، باب قول صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أموراً تنكرونها(الفتح) (13/7) ، ولهذا أيضاً كان (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) )أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي (4244) (4/514) وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن ، باب ما جاء في أفضل الجهاد (شاكر) (4/471) .

وليست الجرأة تهوراً كما أن الحكمة ليست جنباً ، والمزج بينهما هو المطلوب الذي ينبغي اتصاف الداعية به في معاملته للآخرين وفي المواقف العصيبة ، وعدم وجود الجرأة والشجاعة يستلزم وجود ضدهما وهو الجبن والذلَّة اللذان لا يليقان بالداعية بحال لأنه (( إذا لم يكن الداعية المسلم شجاعاً مطيقاً لأعباء الرسالة ، سريعاً إلى تلبية ندائها ، جريئاً على المبطلين ، مغواراً في ساحاتهم فخير له أن ينسحب من هذا المجال وألاَّ يفضح الإسلام بتكلف ما لا يحسن من شئونه ) )مع الله (ص:211) .

والجرأة تنبعث من اجتماع خلقين عظيمتين:-

أولهما: امتلاك الإنسان لنفسه وانطلاقه من قيود الرهبة والرغبة ، وارتضاؤه لوناً من الحياة بعيداً عن ذل الطمع وشهوة التنعم .

وثانيهما: إيثار ما عند الله والاعتزاز بالعمل له ، وترجيح جنابه على جبروت الجبارين ، وعلى أعطيات المغدقين ( مع الله(ص: 215-217) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت