فهرس الكتاب
ولقد كان الرسول القائد صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت ، فاستقبلهم صلى الله عليه وسلم ، قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: (( لم تراعوا ، لم تراعوا ) )، وهو على فرس لأبي طلحة عُري ما عليه سرج في عنقه سيف )) أخرجه البخاري في كتاب الأدب ، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (الفتح) (10/455) ، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب في شجاعة صلى الله عليه وسلم (النووي) (15/67) وقد ترجم البخاري لهذا الحديث في بعض الأبواب فقال باب مبادرة الإمام عند الفزع (6/122) وقال النووي: فيه بيان شجاعت صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس (15 /68) .
وهكذا كان عليه الصلاة والسلام في سائر الغزوات ففي يوم بدر يقول علي رضي الله عنه: (( لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول ا صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً ) )أخرجه الحاكم في المستدرك (2/143) وصححه ووافقه الذهبي .
ويوم أحد انكشف المسلمون واضطربت صفوفهم فكان r هو الثابت حتى اجتمعت حوله كوكبة الفداء الإيمانية .
ويوم حنين كان يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وثبت حتى فاء الناس إليه وجاهدوا معه فكان النصر .
وفي غير المعارك كانت الجرأة في الحق سمة بارزة في حيات صلى الله عليه وسلم بل كانت حياته عملياً في تلقين الجرأة لتأخذ مسارها متجاوزة حواجز الحياء والمجاملة ، كما تجاوزت حواجز الخوف والجبن ، فها هي عائشة تقصُّ علينا خبر المرأة المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح فأهم قريش أمرها ، فقالوا: من يكلم فيها رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فلما كلمه تلون وجهه عليه الصلاة والسلام وقال: أتشفع في حد من حدود الله ، فعرف أسامة الغضب في وجهه ، وأدرك خطأ فعله فقال: استغفر لي يا رسول الله ، ثم قام فخطب الناس فكان مما قال: (( إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) )أخرجه البخاري في كتاب الحدود ، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (الفتح) (12/87) وقال ابن حجر في الفتح (12/96) وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على من وجب عليه ولو كان ولداً أو قريباً أو كبير القدر ، والشديد في ذلك والإنكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه .
وأرى أن من المناسب أن نمضي في جولة نقف خلالها على مواقف جرأة وقعت من بعض أعيان الأمة وعلمائها ودعاتها ، لنرى آثار تلك المواقف ومنافعها ، وأهميتها في نجاح الداعية المقدام الجريء ، وهذه أمثلة من عصور مختلفة وفي ظروف متباينة:-
1.كانت المصيبة عظيمة ، والرزية فادحة ، بوفاة صلى الله عليه وسلم وأصيب الصحابة الذين تعلقت قلوبهم به محبة ، وارتبطت حياتهم به قدوة بخطب جلل طاشت منه العقول ، وانخلعت القلوب ، واضطربت النفوس ، حتى أنكر الأشداء من أمثال عمر بن الخطاب موته عليه الصلاة والسلام ، ثم جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقرب المقربين ، وأحب الأحباء ، رفيق الغار والهجرة ، وسابق الإيمان والصحبة ، فكانت المصيبة عليه أعظم لكنها لم تنل حظها الوافر من قوة إيمانه ورباطة جأشه ، وفي ذلك الظرف العصيب ، والحيرة تشغل العقول ، والحزن يعتصر القلوب ، قام أبو بكر في جرأة نادرة وصاح بالناس: (( من كان يعبدمحمدا صلى الله عليه وسلم فإنمحمدا صلى الله عليه وسلم قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) )، ثم تلا قوله تعالى: ]إنك ميت وإنهم ميتون [ وقوله جل وعلا ] وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين[ ، (( فثاب الناس إلى رشدهم ، وعلموا حقيقة أمرهم ) )البداية والنهاية (5/241) .
2.جاء أشراف بني أمية عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة رجاء أن ينالوا منه الحظوة ، ويحصلوا على الولايات والأعطيات فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جنداً من هذه الأجناد ، فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال: ترون بساطي هذا ؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى ، وأني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم فكيف أوليكم ديني ؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم ؟ هيهات هيهات ، فقالوا: لم ؟ أما لنا قرابة ؟ أما لنا حق ؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء ، إلا رجل حبسته عني طول الشقة ( نزهة الفضلاء(1/477-478) .